الحاكمية
جامع الردود في مسائل الحاكمية والتجسس والاستعانة بالكفار ضد المسلمين في المذهب الحنفي والقتال مع الكفار وبناء الكنائس وما شابهها
https://t.me/Turath_al
https://t.me/Turath_al/15
قال ابن قتيبة في «غريب القرآن» (ص27):
«و (الجَحْدُ) في اللغة: إنكارك بلسانك ما تَسْتَيْقِنهُ نَفْسُك. قال الله جل ثناؤه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} وقال: {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} يريد أنهم لا يَنْسبُونَكَ إلى الكذب في قراءة من قرأ "يُكَذِّبُونَك" بالتشديد. ومن قرأ "يُكْذِبونك" بالتخفيف، أراد: لا يجدونك كذابا ولكنهم بآيات الله يجحدون. أي ينكرونها بألسنتهم وهم مستيقنون [أنك] لم تكذب ولم تأت بها إلا عن الله تبارك اسمه»
قال الأزهري في «تهذيب اللغة» (ج10ص110):
«وأما كفر الجحود فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية ابن أبي الصلت»
قال ابن منظور في «لسان العرب» (ج3ص106):
«جحد: الجحد والجحود: نقيض الإقرار كالإنكار والمعرفة، جحده يجحده جحدا وجحودا. الجوهري: الجحود الإنكار مع العلم. جحده حقه وبحقه»
قال ابن زنجلة في «حجة القراءات» (ص249):
«والجحد أن تنكر بلسانك ما تستيقنه في نفسك»
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «الإيمان» (ص113):
«إلا الجهمية فإن الكاسر لقولهم قول أهل الملة، وتكذيب القرآن إياهم حين قال: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} [البقرة: 146]، وقوله: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14]، فأخبر الله عنهم بالكفر؛ إذ أنكروا بالألسنة، وقد كانت قلوبهم بها عارفة.»
قال الطبري في «تفسيره» (ج10ص239):
«وكما كانوا بآيات الله، وهى حججه التي احتج بها عليهم؛ من الأنبياء والرسل والكتب وغير ذلك، {يجحدون}: يكذبون، ولا يصدقون بشيء من ذلك.»
قال أبو حيان الأندلسي في «تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب» (ص87):
«جحد: {جحدوا}: أنكروا بألسنتهم ما تتيقنه قلوبهم.»
قال ابن الهائم في «التبيان في تفسير غريب القرآن» (ص209):
«يجحدون: ينكرون بألسنتهم ما تستيقنه نفوسهم»
قال الراغب الأصفهاني في «المفردات في غريب القرآن» (ص187):
«الجُحُود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه، يقال: جَحَدَ جُحُوداً وجَحْداً قال عز وجل: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل/ 14]، وقال عز وجل: بِآياتِنا يَجْحَدُونَ [الأعراف/ 51]»
وقال الراغب الأصفهاني في «المفردات في غريب القرآن» (ص663):
«وأمّا الجحود فإنما يقال فيما ينكر باللّسان دون القلب»
قال البغوي في «تفسيره» (ج1ص64):
«والكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق. فكفر الإنكار: أن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر الجحود هو: أن يعرف الله تعالى بقلبه ولا يقر بلسانه ككفر إبليس واليهود. قال الله تعالى: "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به" (89-البقرة) وكفر العناد هو: أن يعرف الله بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول: ولقد علمت بأن دين محمد … من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة … لوجدتني سمحا بذاك مبينا
وأما كفر النفاق: فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب، وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي الله تعالى بواحد منها لا يغفر له.»
قال ابن القيم في «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل» (ج2ص61):
«والجحود إنكار الحق بعد معرفته، وهذا كثير في القرآن»
قال ابن القيم في كتابه «الصلاة» (ص88):
«وههنا أصلٌ آخر، وهو أنَّ الكفر نوعان، كفر عملٍ، وكفر جحودٍ وعنادٍ؛ فكفر الجحود: أنْ يكفر بما عَلِم أنَّ الرَّسول جاء به من عند الله، جُحُودًا وعنادًا، من أسماء الرَّب وصفاته وأفعاله وأحكامه.
وهذا الكفر يضادُّ الإيمان من كُلِّ وجهٍ.
وأمَّا كفر العمل: فينقسم إلى ما يضادُّ الإيمان، وإلى ما لا يضادُّه. فالسُّجُود للصَّنَم، والاستهانة بالمصْحف، وقتل النَّبيِّ وسبُّه يضادُّ الإيمان.
وأمَّا الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصَّلاة فهو من الكفر العملي قطعًا...»
قلت: وانظر كيف فرق بين كفر الجحود وكفر العمل، وبين أن الحكم بغير ما أنزل الله يختلف عن الجحود، وهذا رد على الأعاجم الجهال الذين يزعمون أن التشريع والتحاكم يعدان "جحودا عمليا"
وقال ابن القيم في «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (ج1ص346):
«فإن المستحل للشئ هو الذى يفعله معتقداً حله»
ولا يوجد دليل على أن الاستحلال العملي أو التحريم العملي يشاركان حكم الاستحلال أو التحريم الاعتقادي، اللذين يعدان كفرًا لكونهما يتضمنان رد ما أنزل الله أو الكذب عليه.
ومن قال إن كل ما اشترك في اسم الاستحلال أو التحريم لزم أن يكون فاعله كافرًا، لزمه تكفير الأب الذي يمنع أبناءه من الحلال أو يبيح لهم الوقوع في الحرام، وكذلك يلزمه تكفير سودة رضي الله عنها حيث قالت إنها حرمت شرب العسل على النبي ﷺ كما جاء في «صحيح البخاري» (ج7ص44):
«حدثنا فروة بن أبي المغراء: حدثنا علي بن مسهر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب العسل والحلواء، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فغرت فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة من عسل فسقت النبي صلى الله عليه وسلم منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له، فقلت لسودة بنت زمعة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقولي: أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل، فقولي له: جرست نحله العرفط، وسأقول ذلك، وقولي أنت يا صفية ذاك، قالت: تقول سودة: فوالله ما هو إلا أن قام على الباب فأردت أن أباديه بما أمرتني به فرقا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: لا، قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، فقالت: جرست نحله العرفط، فلما دار إلي قلت له نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي فيه. قالت: تقول سودة: والله لقد حرمناه، قلت لها: اسكتي.»
قال الإمام الشافعي في «الأم» (ج4ص226):
«ولو أوصى (الكتابي) أن يكتب بثلثه الإنجيل والتوراة لدرس لم تجز الوصية لأن الله عز وجل قد ذكر تبديلهم منها فقال {للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} وقال {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب}»
«والإنسان متى حلل الحرام - المجمع عليه - أو حرم الحلال - المجمع عليه - أو بدل الشرع - المجمع عليه - كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء. وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله، ولفظ الشرع يقال في عرف الناس على ثلاثة معان:
الشرع المنزل وهو ما جاء به الرسول وهذا يجب اتباعه ومن خالفه وجبت عقوبته.
والثاني الشرع المؤول وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه. فهذا يسوغ اتباعه ولا يجب ولا يحرم، وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به ولا يمنع عموم الناس منه.
والثالث الشرع المبدل وهو الكذب على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع. كمن قال: إن الدم والميتة حلال - ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك.»
وتفسير قوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}
وقوله {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}
وقوله {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله}
وقوله {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}
وقوله: {ولا يشرك في حكمه أحدا}
وقوله: {إن الحكم إلا لله}
قال الإمام البخاري رحمه الله في «صحيحه» (ج8ص160):
«حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها: أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجترئ عليه إلا أسامة، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أتشفع في حد من حدود الله، ثم قام فخطب، قال: يا أيها الناس، إنما ضل من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.»
وقال الإمام مسلم رحمه الله في «صحيحه» (ج6ص19):
«حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار قالا: حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس وقال: اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم.»
وقال الإمام مسلم رحمه الله في «صحيحه» (ج6ص20):
«وحدثني محمد بن سهل بن عسكر التميمي، حدثنا يحيى بن حسان. (ح) وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا يحيى، (وهو ابن حسان )، حدثنا معاوية، (يعني ابن سلام)، حدثنا زيد بن سلام، عن أبي سلام قال: قال حذيفة بن اليمان: قلت: يا رسول الله، إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم. قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم. قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع.»
وقال الإمام مسلم رحمه الله في «صحيحه» (ج6ص18):
«حدثنا زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم ، قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير: حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة ، قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله، آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية، يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله يقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}. قال: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله»
وقال الإمام البخاري في «صحيحه» (ج9ص57):
«حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة. وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه.»
جاء في «السنة لأبي بكر بن الخلال» (ج4ص158):
«حدثنا أبو عبد الله، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] قال: هي به كفر، وليس كمن كفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله»
وفي (ج4ص160):
«حدثنا أبو عبد الله، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: ثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، قال: هي به كفر، قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله»
قلت: هذا حديث يسخن الله به أعين الزنادقة
لفظة "هي به كفر" من ألفاظ الكفر الأصغر كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في «صحيح مسلم» (ج1ص58):
«...عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت»
وقد فهم العلماء على مر القرون قول ابن عباس هذا على أنه في الكفر الأصغر، وذكروه في هذا السياق، ولم ينسبه أحد إلى مذهب المرجئة
كما قال محمد ابن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (ج2ص520-522):
«قالوا: ولنا في هذا قدوة بمن روى عنهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعين إذ جعلوا للكفر فروعا دون أصله، لا تنقل صاحبه عن ملة الإسلام كما ثبتوا للإيمان من جهة العمل فرعا للأصل لا ينقل تركه عن ملة الإسلام من ذلك قول ابن عباس في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]
...
حدثنا محمد بن رافع، ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] قال هي به كفر قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله
...
حدثنا إسحاق، أنا وكيع، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قلت لابن عباس: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر؟ قال: هو به كفره، وليس كمن كفر بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر»
وكما قال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (ج2ص315-319):
«كما حدثنا أبو أمية، حدثنا أبو نعيم، حدثنا قيس، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن أبي نصر، عن ابن عباس قال: " كان بين الأوس والخزرج شيء في الجاهلية فتذاكروا ما كان بينهم، فثار بعضهم إلى بعض بالسيوف، فأتي رسول الله عليه السلام فذكر ذلك له فذهب إليهم فنزلت هذه الآية: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله} [آل عمران: 101] ، {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] " فلم يكن بما كان منهم من القتال مما أنزل الله تعالى عنده هذه الآية التي ذكر فيها ما كان منهم بالكفر على الكفر بالله تعالى، ولكن كان على تغطيتهم ما كانوا عليه قبل ذلك من الألفة والأخوة، حتى إذا كان منهم ما كان منهم من ذلك فسمي كفرا لا يراد به الكفر بالله عز وجل، ولكن الكفر الذي ذكرناه سواه. ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قول الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] على ما تأوله عليه
كما حدثنا ابن مرزوق، حدثنا أبو حذيفة، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قيل لابن عباس: {ومن لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] قال: " هي كفره، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر "
...
...فمثل ذلك الكفر الذي ذكر به المسلم من قتاله هو هذا الكفر لا الكفر بالله عز وجل ، والله نسأله التوفيق»
وكما قال الطبري في «تفسيره» (ج10ص355-356) للآية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون):
«وقال آخرون: بل عنى بذلك: كفرٌ دون كفر، وظلمٍ دون ظلم، وفسقٌ دون فسق.
ذكر من قال ذلك:
...
حدثني الحسن قال، حدثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس في هذه الآيات: "ومن لم يحكم بما أنزل الله"، فمن فعل هذا فقد كفر؟ قال ابن عباس: إذا فعل ذلك فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر، وبكذا وكذا.
حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، قال هي به كفر= قال: ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.»
وابن المنذر في «الأوسط» (ج12ص147):
«ولقد فسر ابن المبارك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فقد كفر" أنه أراد به التغليظ وليس بالكفر، كما روي عن ابن عباس في قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}: إنهم به كفرة، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله. وكذلك قال عطاء: كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم. ومن ذلك ما حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر". أي أنه كفر بما أمر به، أنه لا يقتل بعضهم بعضا.»
وابن بطة في «الإبانة الكبرى» (ج2ص734 و736) في باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج عن الملة:
«حدثنا أبو شيبة ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال: حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]. قال: هي به كفر ، وليس كمن كفر بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله
...
حدثنا إسماعيل بن محمود الصفار ، قال: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي ، قال: حدثنا عبد الرزاق ، قال: حدثنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] قال: «هي به كفر» قال ابن طاوس: ليس كمن كفر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله»
وابن القيم في «مدارج السالكين» (ج1ص519):
«وهذا تأويل ابن عباس وعامة أصحابه في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]. قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر؛ وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. وكذلك قال طاوس.
وقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.»
وابن رجب في «فتح الباري» (ج1ص137-138):
«وقال البخاري: كفر دون كفر . والكفر قد يطلق ويراد به الكفر الذي لا ينقل عن الملة مثل كفران العشير ونحوه عند إطلاق الكفر .
فأما إن ورد الكفر مقيدا بشيء فلا إشكال في ذلك كقوله تعالى {فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ} [النحل: 112] . وإنما المراد هاهنا: أنه قد يرد إطلاق الكفر ثم يفسر بكفر غير ناقل عن الملة، وهذا كما قال ابن عباس في قوله تعالى {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} [المائدة: 44] قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه؛ إنه ليس بكفر ينقل عن الملة {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} كفر دون كفر. خرجه الحاكم وقال: صحيح الإسناد.
وعنه في هذه الآية قال: هو به كفر، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. وكذا قال عطاء وغيره: كفر دون كفر. وقال النخعي: الكفران كفران: كفر بالله وكفر بالمنعم»
قال الإمام الشافعي في «الأم» (ج4ص195):
«ومن صلى إلى بيت المقدس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نسخها فهو مطيع لله عز وجل كالطاعة له حين صلى إلى الكعبة. وذلك أن قبلة بيت المقدس كانت طاعة لله قبل أن تنسخ ومعصية بعدما نسخت، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم تناهت فرائض الله عز وجل فلا يزاد فيها، ولا ينقص منها فمن عمل منها بمنسوخ بعد علمه به فهو عاص وعليه أن يرجع عن المعصية»
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «الإيمان» (ص86-94) في باب الخروج من الإيمان بالمعاصي:
«وأما الآثار المرويات بذكر الكفر والشرك ووجوبهما بالمعاصي، فإن معناها عندنا ليست تثبت على أهلها كفرا ولا شركا يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوهها: أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون، وقد وجدنا لهذين النوعين من الدلائل في الكتاب والسنة نحوا مما وجدنا في النوعين الأول فمن الشاهد على الشرك في التنزيل: قول الله في آدم وحواء عند كلام إبليس إياهما: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به} إلى {جعلا له شركاء فيما آتاهما} [الأعراف: ١٨٩ و ١٩٠]. وإنما هو في التأويل أن الشيطان قال لهما: سميا ولدكما عبد الحارث، فهل لأحد يعرف الله ودينه أن يتوهم عليهما الإشراك بالله مع النبوة والمكان من الله، فقد سمى فعلهما شركا، وليس هو الشرك بالله. وأما الذي في السنة، فقول النبي ﷺ: «أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الأصغر». فقد فسر لك بقوله «الأصغر» أن هاهنا شركا سوى الذي يكون به صاحبه مشركا بالله. ومنه قول عبد الله: «الربا بضعة وستون بابا، والشرك مثل ذلك». فقد أخبرك أن في الذنوب أنواعا كثيرة تسمى بهذا الاسم، وهي غير الإشراك التي يتخذ لها مع الله إله غيره، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فليس لهذه الأبواب عندنا وجوه إلا أنها أخلاق المشركين، وتسميتهم، وسننهم، وألفاظهم، وأحكامهم، ونحو ذلك من أمورهم.
وأما الفرقان الشاهد عليه في التنزيل، فقول الله جل وعز: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة:44].
وقال ابن عباس: "ليس بكفر ينقل عن الملة".
وقال عطاء بن أبي رباح: "كفر دون كفر".
فقد تبين لنا أنه كان ليس بناقل عن ملة الإسلام أن الدين باق على حاله، وإن خالطه ذنوب، فلا معنى له إلا خلاف الكفار وسنتهم، على ما أعلمتك من الشرك سواء؛ لأن من سنن الكفار الحكم بغير ما أنزل الله، ألا تسمع قوله: {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة:50].
تأويله عند أهل التفسير أن من حكم بغير ما أنزل الله وهو على ملة الإسلام كان بذلك الحكم كأهل الجاهلية، إنما هو أن أهل الجاهلية كذلك كانوا يحكمون.
وهكذا قوله: "ثلاثة من أمر الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة والأنواء".
ومثله الحديث الذي يروى عن جرير وأبي البختري الطائي: "ثلاثة من سنة الجاهلية: النياحة، وصنعة الطعام، وأن تبيت المرأة في أهل الميت من غيرهم".
وكذلك الحديث: "آية المنافق [ثلاث]: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان".
وقول عبد الله "الغناء ينبت النفاق في القلب".
ليس وجوه هذه الآثار كلها من الذنوب: أن راكبها يكون جاهلا ولا كافرا ولا منافقا وهو مؤمن بالله وما جاء من عنده، ومؤد لفرائضه، ولكن معناها أنها تتبين من أفعال الكفار محرمة منهي عنها في الكتاب وفي السنة ليتحاماها المسلمون ويتجنبوها فلا يتشبهوا بشيء من أخلاقهم ولا شرائعهم.
ولقد روي في بعض الحديث: "إن السواد خضاب الكفار".
فهل يكون لأحد أن يقول إنه يكفر من أجل الخضاب؟!
وكذلك حديثه في المرأة إذا استعطرت ثم مرت بقوم يوجد ريحها أنها زانية فهل يكون هذا على الزنا الذي تجب فيه الحدود؟
ومثله قوله: "المستبان شيطانان يتهاتران ويتكاذبان". أفيتهم عليه أنه أراد الشيطانين الذين هم أولاد إبليس؟!
إنما هذا كله على ما أعلمتك من الأفعال والأخلاق والسنن.
وكذلك كل ما كان فيه ذكر كفر أو شرك لأهل القبلة فهو عندنا على هذا، ولا يجب اسم الكفر والشرك الذي تزول به أحكام الإسلام ويلحق صاحبه بردة إلا بكلمة الكفر خاصة دون غيرها وبذلك جاءت الآثار مفسرة.»
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «الأموال» (ص60):
«حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن حميد، قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من شهد شهادتنا، واستقبل قبلتنا، واختتن، فلا تأخذوا منه الجزية
قال أبو عبيد: أفلا ترى أن هذه الأحاديث قد تتابعت عن أئمة الهدى بإسقاط الجزية عمن أسلم، ولم ينظروا: في أول السنة كان ذلك ولا في آخرها، فهو عندنا على أن الإسلام أهدر ما كان قبله منها، وإنما احتاج الناس إلى هذه الآثار في زمان بني أمية، لأنه يروى عنهم، أو عن بعضهم: أنهم كانوا يأخذونها منهم وقد أسلموا، يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد يقولون: فلا يسقط إسلام العبد عنه ضريبته، ولهذا استجاز من استجاز من القراء الخروج عليهم.»
قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «الأموال» (ص636):
«وجوه هذه الأحاديث التي ذكرنا فيها العاشر، وكراهة المكس، والتغليظ فيه أنه قد كان له أصل في الجاهلية، يفعله ملوك العرب والعجم جميعا، فكانت سنتهم أن يأخذوا من التجار عشر أموالهم إذا مروا بها عليهم.
يبين ذلك ما ذكرنا من كتب النبي صلى الله عليه وسلم لمن كتب من أهل الأمصار مثل ثقيف، والبحرين، ودومة الجندل، وغيرهم ممن أسلم أنهم لا يحشرون، ولا يعشرون. فعلمنا بهذا أنه قد كان من سنة الجاهلية مع أحاديث فيه كثيرة، فأبطل الله ذلك برسوله صلى الله عليه وسلم، وجاءت فريضة الزكاة بربع العشر من كل مائتي درهم خمسة، فمن أخذها منهم على فرضها فليس بعاشر؛ لأنه لم يأخذ العشر، إنما أخذ ربعه»
وقال في «الأموال» (ص635):
«قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، أنه قال: والله ما علمت عملا أخوف عندي أن يدخلني النار من عملكم هذا، وما بي أن أكون ظلمت فيه مسلما ولا معاهدا دينارا ولا درهما، ولكني لا أدري ما هذا الحبل الذي لم يسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر، ولا عمر. قالوا: فما حملك على أن دخلت فيه؟ قال: لم يدعني زياد، ولا شريح، ولا الشيطان حتى دخلت فيه»
وقال ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (ج7ص339):
«أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنى داود بن خالد، عن محمد بن قيس قال: لما ولى عمر بن عبد العزيز وضع المكس عن كل أرض ووضع الجزية عن كل مسلم»
والقول بأن الكفر المذكور في الآية هو كفر أكبر بلا جحود ولا استحلال، هو بعينه قول الخوارج المتقدمين، سواء كان ذلك في قاض أو حاكم يحكم في قضية واحدة، أو لرشوة، أو بتعطيل الأحكام وتغييرها
قال عبد الله بن المعتز (تـ296هـ) في «طبقات الشعراء» (ص334):
«أخبار درست المعلِّم
وقد أحتج الجاحظ بشعره. حدثني أبو حاتم الأسدي قال: حدثني أبو حاتم الأحول قال: كان درست المعلم أقصر من رأيت وأضعفه بدنا، وكان مع ذلك يقول: لولا أنني معلم، والمعلم عند الناس أحمق، وأنا مولى. وليس بالمولى كالصريح، لما دعا الناس إلى بغض هذه الدولة - يعني دولة بني العباس -، أو حي يقال له: درست. وكان يرى رأى الخوارج ويرى الدار دار كفر، ويقول: قد عطلوا الأحكام وغيروها. وقد قال الله: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " وكان مع هذا أرقع خلق الله، إلا أنه كان فصيحاً جيداً لقول الشعر.»
وقال أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين» (ج2ص337):
«فقالت الخوارج: الحكمان كافران وكفر علي حين حكم واعتلوا بقول الله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 47] وقوله: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّه} [الحجرات: 9] قالوا: فأمر الله عز وجل وحكم بقتال أهل البغي وترك علي قتالهم لما حكم وكان تاركاً لحكم الله - سبحانه - مستوجباً للكفر لقول الله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 47].»
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (ج10ص390):
«وقد ضلت جماعة من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة في هذا الباب، فاحتجوا بهذه الآثار ومثلها في تكفير المذنبين، واحتجوا من كتاب الله بآيات ليست على ظاهرها، مثل قوله عز وجل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}...»
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (ج3ص495):
«وأجمع العلماء على أن الجور في الحكم من الكبائر لمن تعمد ذلك عالما به، رويت في ذلك آثار شديدة عن السلف. وقال الله عز وجل: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] و: {الظالمون} [المائدة: 45]. و: {الفاسقون} [المائدة: 47]. نزلت في أهل الكتاب. قال حذيفة، وابن عباس: وهي عامة فينا. قالوا: ليس بكفر ينقل عن الملة إذا فعل ذلك رجل من أهل هذه الأمة، حتى يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. روي هذا المعنى عن جماعة من العلماء بتأويل القرآن؛ منهم ابن عباس، وطاوس، وعطاء»
وقال القرطبي في «تفسيره» (ج6ص191):
«قال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى وحكم بغير حكم الله فهو كافر، وعزي هذا إلى الحسن والسدي»
وجاء في «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (ج13ص225):
«...أنه مثل كون الخوارج يستدلون بآيات على كفر العاصي، كقوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} الآية، {إن الحكم إلا لله}، {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون}، ويعرضون عن الآيات التي فيها عدم كفره، أو يتأولونها.»
وقال أبو يعلى في «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص59):
«فصل في وجوب الإنكار على السلطان إذا غصب وعطل الحدود وضرب الأبشار واستأثر بأموال الفيء والغنائم والأعشار فإنه يجب وعظه وتخويفه بالله تعالى، أما بالفتال وشهر السلاح عليه فلا يجوز ذلك وقد نص أحمد على هذا»
وقال بدر الدين الزركشي في «تشنيف المسامع بجمع الجوامع» (ج4ص809):
«قال القاضي: والذي عليه أكثر أصحاب الحديث: الانقياد والطاعة لكل إمام عادل أو جائر وإن فعل المنكر وعطل الحدود، قال: وتمسكوا في ذلك بأخبار وآيات قال القاضي: والظاهر أنها في منع الخروج على من تثبت إمامته، فأما المتغلب فيجب الإنكار عليه.»
قال ابن أبي حاتم في «تفسيره» (ج4ص1142):
«أخبرنا أبو يزيد القراطيس فيما كتب إلي ثنا أصبغ بن الفرج، ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول في قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون قال: من حكم بكتابه الذي كتبه بيده وترك كتاب الله، وزعم أن كتابه هذا من عند الله قد كفر»
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في «تفسيره» (ج10ص318):
«القول في تأويل قوله: {سماعون للكذب أكالون للسحت}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: هؤلاء اليهود الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم، سماعون لقيل الباطل والكذب، ومن قيل بعضهم لبعض: "محمد كاذب، ليس بنبي"، وقيل بعضهم: "إن حكم الزاني المحصن في التوراة الجلد والتحميم"، وغير ذلك من الأباطيل والإفك= ويقبلون الرشى فيأكلونها على كذبهم على الله وفريتهم عليه، كما:-
11942 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل قال، سمعت الحسن يقول في قوله:"سماعون للكذب أكالون للسحت"، قال: تلك الحكام، سمعوا كذبة وأكلوا رشوة...
...11946 - حدثنا سفيان بن وكيع وواصل بن عبد الأعلى قالا حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن سلمة بن كهيل، عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لعبد الله: ما السحت؟ قال: الرشوة. قالوا: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر.»
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في «تفسيره» (ج10ص345):
«القول في تأويل قوله عز ذكره: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون (44)}
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن كتم حُكم الله الذي أنزله في كتابه وجعله حكمًا يين عباده، فأخفاه وحكم بغيره، كحكم اليهود في الزانيين المحصنين بالتجبيه والتحميم، وكتمانهم الرجم، وكقضائهم في بعض قتلاهم بدية كاملة وفي بعض بنصف الدية، وفي الأشراف بالقِصاص، وفي الأدنياء بالدية، وقد سوَّى الله بين جميعهم في الحكم عليهم في التوراة="فأولئك هم الكافرون"، يقول: هؤلاء الذين لم يحكموا بما أنزل الله في كتابه، ولكن بدَّلوا وغيروا حكمه، وكتموا الحقَّ الذي أنزله في كتابه="هم الكافرون"، يقول: هم الذين سَتَروا الحق الذي كان عليهم كشفه وتبيينُه، وغطَّوه عن الناس، وأظهروا لهم غيره، وقضوا به، لسحتٍ أخذوه منهم عليه.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل "الكفر" في هذا الموضع.
(القول الأول) فقال بعضهم بنحو ما قلنا في ذلك، من أنه عنى به اليهود الذين حَرَّفوا كتاب الله وبدَّلوا حكمه.
ذكر من قال ذلك:
...
...حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود، فدعاهم فقال: هكذا تجدون حد من زنى؟ قالوا: نعم! فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حده في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع جميعا على التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أول من أحيى أمرك إذ أماتوه! فأمر به فرجم، فأنزل الله: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر" إلى قوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، يعني اليهود: "فأولئك هم الظالمون"، يعني اليهود: "فأولئك هم الفاسقون"، للكفار كلها.
حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، قال: من حكم بكتابه الذي كتب بيده، وترك كتاب الله، وزعم أن كتابه هذا من عند الله، فقد كفر.
...
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن لم يحكم بما أنـزل الله جاحدًا به. فأما " الظلم " و " الفسق "، فهو للمقرِّ به.
ذكر من قال ذلك:
حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ومن لم يحكم بما أنـزل الله فأولئك هم الكافرون "، قال: من جحد ما أنـزل الله فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم، فهو ظالم فاسقٌ.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب، قولُ من قال: نزلت هذه الآيات في كفّار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات ففيهم نزلت، وهم المعنيُّون بها. وهذه الآيات سياقُ الخبر عنهم، فكونُها خبرًا عنهم أولى.
فإن قال قائل: فإن الله تعالى ذكره قد عمَّ بالخبر بذلك عن جميع منْ لم يحكم بما أنزل الله، فكيف جعلته خاصًّا؟
قيل: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قومٍ كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين، فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكمَ، على سبيل ما تركوه، كافرون. وكذلك القولُ في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا به، هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعدَ علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوّة نبيّه بعد علمه أنه نبيٌّ.»
وقال ابن كثير في «تفسيره» (ج3ص405):
«...رواه ابن جرير، ثم اختار (يعني الطبري) أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب.»
قال بكر بن العلاء في «أحكام القرآن» (ج1ص486):
«وقد اختلفت الروايات والتفاسير في قول اللَّه عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، و {الظَّالِمُونَ} و {الْفَاسِقُونَ}، فقال بعضهم: إنها في اليهود لما غيَّروا من كتاب اللَّه، وعدلوا عن أحكامه.
وقال بعضهم: هي فينا وفيهم.
وقد نص اللَّه في ذلك في أمر اليهود وأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فخالفوا ما كتب عليهم في التوراة، فقال عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}، فكان ظاهر ذلك يدل على أنه من فعل فعلَهم، واخترع حكمًا خالف به حكم اللَّه، وجعله دينًا يعمل به فقد لزمه ما لزمهم، حاكمًا كان أو غير حاكم.
وقد روى عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] الآية، فكتب فيهم إلى عمر رحمه الله فاستشار فيهم الناس فقالوا: يا أمير المؤمنين، نرى أنهم كذبوا على اللَّه، وشرعوا في دينه ما لم يأذن به، فاضرب أعناقهم، وعلي رحمه الله ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا جلدتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، وإنهم كذبوا على اللَّه وشرعوا في دينه ما لم يأذن به اللَّه، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين.
قال القاضي: وهذا القول اتفاق من عمر وعلي على أن من شرع شرعًا يخالف كتاب اللَّه، كان له حكم من تقدمه ممن خالف الكتاب.»
قال أبو جعفر النحاس في «معاني القرآن» (ج2ص315):
«وقوله جل وعز (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال ابن عباس هو به كافر لا كفرا بالله وملائكته وكتبه وقال الشعبي الاولى في المسلمين والثانية في اليهود والثالثة في النصارى وقال غيره من رد حكما من أحكام الله فقد كفر قلت وقد أجمعت الفقهاء على أنه من قال لا يجب الرجم على من زنى وهو محصن أنه كافر لانه رد حكما من أحكام الله جل وعز ويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات أهي في بني اسرائيل فقال نعم هي فيهم ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل»
وقال النحاس في «الناسخ والمنسوخ» (ص400):
«حدثنا علي بن الحسين، قال: حدثنا الحسن بن محمد، قال: حدثنا أبو معاوية، قال، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء، قال: " مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي قد جلد وحمم قال: «أهكذا حد الزاني عندكم؟» فقالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال: «سألتك بالله أهذا حد الزاني فيكم؟» فقال: لولا أنك سألتني بهذا ما أخبرتك كان الحد عندنا الرجم فكان الشريف إذا زنى تركناه وكان الوضيع إذا زنى رجمناه فقلنا تعالوا نجتمع على شيء يكون للشريف والوضيع فاجتمعنا على الجلد والتحميم، فأنزل الله جل وعز: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر} [المائدة: 41] إلى: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه} [المائدة: 41] أي ائتوا محمدا فإن أفتاكم بالجلد والتحميم فاقبلوه وإن لم تؤتوه فاحذروا أي فإن أفتاكم بالرجم فلا تقبلوا إلى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ، قال في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47]
قال في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45] قال في الكفار خاصة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم باليهودي فرجم، وقال: «أنا أول من أحيا أمرك» فاحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بينهم ولم يتحاكموا إليه في هذا الحديث فإن قال قائل ففي حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر،: أن اليهود، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ليس في حديث مالك أيضا أن اللذين زنيا رضيا بالحكم وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم فأما ما في الحديث من أن معنى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] أنه في اليهود ففي ذلك اختلاف قد ذكرناه وهذا أولى ما قيل فيه لأنه عن صحابي مشاهد للتنزيل يخبر أن بذلك السبب نزلت هذه الآية على أن غير الحسن بن محمد يقول فيه: عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله {جل وعز ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال اليهود غير أن حكم غيرهم كحكمهم فكل من حكم بغير ما أنزل الله جل وعز جاحدا له كما جحدت اليهود فهو كافر ظالم فاسق واختلفوا في الآية السابعة فمنهم من قال: هي منسوخة ومنهم من قال: هي محكمة وهي من أشكل ما في الناسخ والمنسوخ»
وقال النحاس في «إعراب القرآن» (ج1ص269):
«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ رفع بالابتداء وخبره: فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وقد ذكرنا معناه. ومن أحسن ما قيل فيه قول الشّعبيّ قال: هذا في اليهود خاصة ويدلّ على ما قال ثلاثة أشياء: منها أن اليهود قد ذكروا قبل هذا في قوله لِلَّذِينَ هادُوا فعاد الضمير عليهم، ومنها أن سياق الكلام يدلّ على ذلك ألا ترى أنّ بعده. وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها فهذا الضمير لليهود بإجماع وأيضا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص فإن قال قائل «من» إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلّا أن يقع دليل على تخصيصها، قيل له «من» هاهنا بمعنى الذي مع ما ذكرنا من الأدلّة والتقدير: واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا أحسن ما قيل في هذا، وقد قيل: من لم يحكم بما أنزل الله مستحلّا لذلك. وقد قيل: من ترك الحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر.»
قال الواحدي في «التفسير الوسيط» (ج2ص190):
«{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] اختلفوا في هذا وفيما بعده من قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} [المائدة: 45] ، {فأولئك هم الفاسقون} [المائدة: 47] فقال جماعة: إن الآيات الثلاث نزلت في الكفار ومن غير حكم الله من اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء، لأن المسلم وإن ارتكب كبيرة لا يقال له كافر، وهذا قول قتادة، والضحاك، وأبي صالح، ورواية البراء عن النبي صلى الله عليه وسلم.»
قال القصاب في «نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام» (ج1ص308):
«قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)
نازل من الله في اليهود الذين تحاكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حد الزانية، إذ القصة مبتدئة بذكرهم ومختومة بهم فابتداؤها: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)
وفي سياقها ما يحققه وهو: (فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ) .
(وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ) أي: في حد الزانيين
(وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ) أي: حكمه في رجمهما.
وكان تغييرهم حكم الرجم - إلى تحميم الوجوه، والضرب والطواف وادعاؤهم على الله - كفرا، إذ ألغوا له حكما لم ينسخه، وادعوا عليه تبديل مالم ينزله، ثم ساق جل جلاله تمام القصة وقال: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45)
فباء بالكافرين والظالمين والفاسقين أهل التوراة من اليهود، والإنجيل من النصارى، وأهل الفرقان من ثلاثتها بنعمة الله سالمون.
...
...عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالي: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)، ووَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْظالمونَ (45)، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)
قال: هي في الكفار وحدها.
فيقال لمن يحتج بها من الشراة وغيرهم في تكفير أهل القبلة بالذنوب: ما حجتكم في التسوية بين الجميع، وأهل الفرقان عالمون بأن أحكام الله المنزلة في كتابه حق والحكم بها عليهم فرض، وأنهم بتركها عاصون، وعلى إضاعتها معاقبون، وهم مع ذلك مسلمون، ومن أنزلت فيهم الآيات يهود ونصارى لا يرتاب بكفرهم جميع أهل النحل. أيجوز لمتوهم يتوهم أنهم قبل أن يحكموا رسوله الله صلى الله عليه وسلم، ويدعوا حكم التوراة يكونوا كافرين، ولا ضرهم رد نبوته وجحود رسالته، فاستوجبوا الكفر بترك حكم التوراة في الزمنين، كما تزعمون (يعني الخوارج) أن الموحد من المسلمين يكفر بترك حكم الله إلى ضده.
فإن قالوا: إن هذا يجوز توهمه وتحققه بان كفرهم وكفيت مؤنتهم.
فإن قالوا (الخوارج): بل كانوا قبل الحكم برد النبوة كفارا فصار تغييرهم الحكم زيادة في كفرهم، قيل لهم: فما وجه تكفيركم من قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصار بها مسلما - بتركه استعمال حكم الله. أيكون زيادة في كفر ليس فيه، أم يكون مضموما إلى إسلام ليس من جنسه، أم يحبط إحسان عمر طويل بإساءة لحظة، ويهدم به ما أصلتموه في باب العدل. أم تكون نفس واحدة كافرة بإساءتها مؤمنة بإحسانها، تستوجب بنصيب إيمانها الخلود في الجنة، وبنصيب كفرها الخلود في النار، هذا - والله - أفحش مقال وأقبح انتحال.
فإن قال الشراة: ليس من النصفة أن تحتج علينا بأن الآية نزلت في الرجم الذي أدته إليك الأخبار، ونحن لا نؤمن بها.
قيل لهم: اجعلوه في أي حكم شئتم، أليس يكون منزلا في غير أهل الفرقان، فإن قالوا (الخوارج): أفلا يجوز أن يكون نزوله فيهم، فيدخل من عمل بعملهم معهم، قيل: بلى إذا ساووهم في الكمال كانوا مثلهم في الأفعال، وسموا به كفارا وإن عملوا ببعض أفعالهم، ولم يساووهم في جميع صفاتهم كانوا عصاة بذلك الفعل.
فنقول من حكم بضد حكم الله مدعيا به على الله أو جاحدا بما أنزله من أحكامه فهو كافر، لأن من جحد القرآن، وقد شهد الله بإنزاله، أو نسب إليه ما لم ينزله، فقد كذب عليه، ومن كذب عليه لم يرتب بكفره، لقوله تبارك وتعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32)
فسماهم كفارا، فمن كان تاركا لما أنزل الله في أحكامه على هذه الصفة، فقد ساوى من أنزلت فيهم الآيات من اليهود والنصارى واستحق اسم الكفر والظلم والفسق.
ومن حمله حرص الدرهم والدينار، أو بلوغ ثأر، أو شهوة نفس على ترك حكم الله، وهو عالم بعدوانه عارف بإساءته، حذرٌ من سوء صنيعه، مصدق لربه فيما أنزل من الأحكام، شاهد عليها بالحق المفترض عليه العمل به، ولم يساوهم فيها، وهو باق على إسلامه عاص لربه، فأفعاله تستوجب عقوبته إن لم يجد بالصفح عنه.»
قلت: كلام هؤلاء — الطبري، وبكر بن العلاء، والنحاس، والواحدي، والقصاب — صريح في أن أهل الكتاب غيّروا حكم الرجم إلى تحميم الوجوه، وأن كفرهم كان بالجحود وإنكار الحكم لا بمجرد هذا التغيير، ومن فعل فعلهم جاحدًا مدعيًا على الله فقد كفر، وأما من فعله لشهوة فهو من عصاة المسلمين
وقد استدلوا بحديث البراء بن عازب، حيث إن أهل الكتاب أنكروا وجود حدّ الرجم، وزعموا أن حدّ الزاني المذكور في التوراة هو تحميم الوجه
واستدلوا أيضًا بكلام ابن زيد، حيث قال: من حكم بكتاب غير كتاب الله يكفر إذا زعم أن كتابه هذا من عند الله
واستدلوا كذلك بقصة الشاميين الذين زعموا أن شرب الخمر حلال لهم
وكلام القصاب صريح أيضًا في أن الخوارج الشراة كفروهم بمجرد تغيير الحكم — كما يفعل الخوارج اليوم —، خلافا لأهل السنة
ونقل ابن أبي العز الحنفي إجماع الأحناف على عدم تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله في «شرح العقيدة الطحاوية» (ص323):
«بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافرا نسميه كافرا، إذ من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا، ويسمي رسوله من تقدم ذكره كافرا، ولا نطلق عليهما اسم الكفر، ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: هو كفر عملي لا اعتقادي، والكفر عنده على مراتب، كفر دون كفر، كالإيمان عنده. ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان ولا ينقصان، قال: هو كفر مجازي غير حقيقي، إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة»
وقال نجم الدين الطوفي في «الإشارات الإلهية إلي المباحث الأصولية» (ص217):
«في فواصل الآيات الثلاث، وإنما تفاوتت هذه الفواصل إما لأن الكفر يستلزم الظلم والفسق، أو لأنه بحسب مراتب المخالفة في الحكم، فتارك الحكم بما أنزل الله في التوحيد ونحوه من أركان الدين يكون كافرا، وتاركه في أحكام الفروع كالقصاص ونحوه يكون ظلما فاسقا.»
قال الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى في «تفسيره» (ج4ص1142):
«قوله تعالى: ومن لم يحكم بما أنزل الله
6426 - حدثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: ومن لم يحكم بما أنزل الله يقول: من جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. يقول: من جحد من حدود الله شيئا فقد كفر»
وقال الإمام ابن بطة رحمه الله تعالى في «الإبانة الكبرى» (ج2ص723-733):
«باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج عن الملة»
...
حدثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال: حدثنا وكيع ، قال: حدثنا حريث بن أبي مطر، عن الشعبي، عن مسروق، قال: قلنا لعبد الله: ما كنا نرى السحت إلا الرشوة في الحكم، قال عبد الله: ذلك الكفر»
وقال أبو الليث السمرقندي الحنفي في «تفسيره» (ج1ص393):
«{ومن لم يحكم بما أنزل الله} يعني: إذا لم يقر، ولم يبين، {فأولئك هم الكافرون} قال ابن عباس: من يجحد شيئا من حدود الله فقد كفر، ومن أقر ولم يحكم بها فهو فاسق. روى وكيع عن سفيان قال: قيل لحذيفة: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون نزلت في بني إسرائيل: فقال حذيفة: نعم الأخوة لكم، وبنو إسرائيل كانت لكم كل حلوة، ولهم مرة. لتسلكن طريقهم قدر الشراك. يعني: هذه الآية عامة فمن جحد حكم الله فهو من الكافرين.»
وقال أبو بكر الجصاص الحنفي في «أحكام القرآن» (ج2ص548):
«قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} لا يخلو من أن يكون مراده كفر الشرك والجحود أو كفر النعمة من غير جحود; فإن كان المراد جحود حكم الله أو الحكم بغيره مع الإخبار بأنه حكم الله، فهذا كفر يخرج عن الملة وفاعله مرتد إن كان قبل ذلك مسلما; وعلى هذا تأوله من قال: "إنها نزلت في بني إسرائيل وجرت فينا" يعنون أن من جحد منا حكم الله أو حكم بغير حكم الله ثم قال إن هذا حكم الله، فهو كافر كما كفرت بنو إسرائيل حين فعلوا ذلك، وإن كان المراد به كفر النعمة فإن كفران النعمة قد يكون بترك الشكر عليها من غير جحود، فلا يكون فاعله خارجا من الملة; والأظهر هو المعنى الأول لإطلاقه اسم الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله. وقد تأولت الخوارج هذه الآية على تكفير من ترك الحكم بما أنزل الله من غير جحود لها، وأكفروا بذلك كل من عصى الله بكبيرة أو صغيرة، فأداهم ذلك إلى الكفر والضلال بتكفيرهم الأنبياء بصغائر ذنوبهم.»
وقال السمعاني في «تفسيره» (ج2ص42):
«{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال البراء بن عازب - وهو قول الحسن -: الآية في المشركين. قال ابن عباس: الآية في المسلمين، وأراد به كفر دون كفر، واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم، وللآية تأويلان: أحدهما معناه: ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا وجحدا فأولئك هم الكافرون. والثاني معناه: ومن لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، والكافر هو الذي يترك الحكم بكل ما أنزل الله دون المسلم.»
وقال أبو العباس القرطبي في «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (ج5ص117) في شرحه لحديث البراء بن عازب:
«وقوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} يحتج بظاهره من يكفر بالذنوب، وهم الخوارج، ولا حجة لهم فيه؛ لأن هذه الآيات نزلت في اليهود المحرفين كلام الله تعالى، كما جاء في هذا الحديث، وهم كفار، فيشاركهم في حكمها من يشاركهم في سبب نزولها. وبيان هذا: أن المسلم إذا علم حكم الله تعالى في قضية قطعا، ثم لم يحكم به؛ فإن كان عن جحد كان كافرا، لا يختلف في هذا. وإن كان لا عن جحد كان عاصيا مرتكب كبيرة؛ لأنه مصدق بأصل ذلك الحكم، وعالم بوجوب تنفيذه عليه، لكنه عصى بترك العمل به، وهكذا في كل ما يعلم من ضرورة الشرع حكمه، كالصلاة، وغيرها من القواعد المعلومة. وهذا مذهب أهل السنة. وقد تقدم ذلك في كتاب الإيمان؛ حيث بينا: أن الكفر هو الجحد والتكذيب بأمر معلوم ضروري من الشرع، فما لم يكن كذلك فليس بكفر.
ومقصود هذا البحث: أن هذه الآيات المراد بها: أهل الكفر، والعناد. وأنها كانت ألفاظها عامة، فقد خرج منها المسلمون؛ لأن ترك العمل بالحكم مع الإيمان بأصله هو دون الشرك. وقد قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وترك الحكم بذلك ليس بشرك بالاتفاق، فيجوز أن يغفر، والكفر لا يغفر، فلا يكون ترك العمل بالحكم كفرا. ويعتضد هذا بالقاعدة المعلومة من الشرع المتقدمة.»
وقال ابن عطية في «تفسيره» (ج2ص196):
«وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله. ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان»
وقال ابن القيم في «مدارج السالكين» (ج1ص519):
«والصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين: الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه معصية، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله تعالى، فهذا كفر أكبر. وإن جهله وأخطأه، فهذا مخطئ له حكم المخطئين.»
وقال أبو بكر الحداد الحنفي في «تفسيره» (ج2ص402):
«قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله؛} ذهب الخوارج إلى أن معنى الآية: (ومن لم يحكم بما نزل الله) وحكم بخلافه كان كافرا بفعل ذلك، اعتقادا كان أو غير ذلك، وكفروا بذلك كل من عصى الله تعالى بكبيرة أو صغيرة، وأداهم ذلك إلى الضلال والكفر تكفيرهم الأنبياء صلوات الله عليهم بصغائر ذنوبهم!
وأما عامة أهل الإسلام قالوا: إن المراد بهذه الآية: أن من جحد شيئا مما أنزل الله مثل ما فعله اليهود من التحريف والتبديل وإنكار بعض آيات الله تعالى، {فأولئك هم الكافرون} (44)؛ أي أهل هذه الصفة بمنزلة الكافر بالكتب وبالرسل كلها.
يدل على هذا أنه لا خلاف أن من لم يقض بينهم بما نزل الله لا يكفر بأن لم يحكم؛ لأن أكثر الناس بهذه الصفة، والحاكم بين الناس في كثير حالاته لا يحكم، فإذا صلح الخوارج أن يزيدوا في ظاهر اللفظ فيقولوا معناه: (من لم يحكم بما نزل الله وحكم بخلافه) صلح لغيرهم أن يقولوا معناه: ومن لم يحكم بصحة ما نزل الله {(فأولئك هم الكافرون)،} وهذا عام في اليهود وغيرهم.»
قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (ج6ص190):
«قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و (الظالمون) و (الفاسقون) نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم. وعلى هذا المعظم. فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة. وقيل: فيه إضمار، أي ومن لم يحكم بما أنزل الله ردا للقرآن، وجحدا لقول الرسول عليه الصلاة والسلام فهو كافر، قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامة على هذا. قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار أي معتقدا ذلك ومستحلا له، فأما من فعل ذلك وهو معتقد أنه راكب محرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له. وقال ابن عباس في رواية: ومن لم يحكم بما أنزل الله فقد فعل فعلا يضاهي أفعال الكفار. وقيل: أي ومن لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية، والصحيح الأول، إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة، واختاره النحاس...
...قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر، وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله، فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين»
وقال ابن رسلان في «شرح سنن أبي داود» (ج14ص607):
«(عن عبيد الله بن عبد الله (ع) بن عتبة) بن مسعود الفقيه الأعمى (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} قيل: فيه إضمار تقديره: من لم يحكم بما أنزل ردًّا للقرآن وجحدًا لقول الرسول عليه السلام ({فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}) وقال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار. أي: مفسدًا ذلك مستحلًّا له، فأما من فعل وهو معتقد أنه راكب محرَّمًا، فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (إلى قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}) حكى الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب قال ابن زيد: {الْفَاسِقُونَ} في هذا الموضع وفي غيره هم الكاذبون (هؤلاء الآيات الثلاث) المتواليات (نزلت في اليهود خاصة) وسيأتي في باب رجم اليهود من كتاب الحدود بمعناه من حديث البراء، وبه قال الشعبي، واختاره النحاس.»
وقال ابن رسلان في «شرح سنن أبي داود» (ج17ص438) معلقا على حديث البراء:
«{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ}) سياق الآية أنه خطاب لليهود، وفيهم أنزلت، وليس في الإسلام منها شيء، وذهب ابن مسعود وغيره إلى أنها عامة في اليهود وغيرهم، ولكن كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، فظلم المسلم ليس مثل ظلم الكافر، وكذا كفره وفسقه»
وقال ابن رسلان في «شرح سنن أبي داود» (ج17ص439) معلقا على حديث البراء:
«(قال: هي في الكفار كلها) ليست في المسلمين منها شيء»
وقال الثعلبي في «تفسيره» (ج11ص354):
«فقال الضحاك، وأبو مجلز، وأبو صالح، وقتادة: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود، وليس في أهل الإسلام منها شيء، فأما هذه الأمة فمن أساء منهم، وهو يعلم أنه قد أساء، فليس بدين.
يدل على صحة هذا التأويل ما روى الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} والظالمون والفاسقون. قال: في الكافرين كلها»
قال أبو حيان في «البحر المحيط في التفسير» (ج4ص269):
«ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ظاهر هذا العموم، فيشمل هذه الأمة وغيرهم ممن كان قبلهم، وإن كان الظاهر أنه في سياق خطاب اليهود، وإلى أنها عامة في اليهود وغيرهم. ذهب ابن مسعود، وإبراهيم، وعطاء، وجماعة ولكن كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق يعني: أن كفر المسلم ليس مثل كفر الكافر، وكذلك ظلمه وفسقه لا يخرجه ذلك عن الملة قاله: ابن عباس وطاووس. وقال أبو مجلز: هي مخصوصة باليهود والنصارى وأهل الشرك وفيهم نزلت. وبه قال: أبو صالح قال: ليس في الإسلام منها شيء. وروي في هذا حديث عن البراء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها الثلاثة في الكافرين»
وهذا كله يوافق ما ذكره البخاري في «صحيحه» (ج9ص16):
«وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين»
قال الشاطبي في «الاعتصام» (ج2ص691):
«ألا ترى إلى أن الخوارج كيف خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم:
«بأنهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم»، يعني ـ والله أعلم ـ أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم لأن الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال، وإنما يقف عند محل الأصوات والحروف المسموعة فقط، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم، وما تقدم أيضا من قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا» إلى آخره.
وقد وقع لابن عباس تفسير ذلك على معنى ما نحن فيه، فخرج أبو عبيد في فضائل القرآن، وسعيد بن منصور في تفسيره عن إبراهيم التميمي قال: خلا عمر رضي الله عنه ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة ـ زاد سعيد وكتابها واحد ـ قال، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما أنزل، وأنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإن كان لهم فيه رأي اختلفوا، وقال سعيد: فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كذلك اختلفوا، وقال سعيد فيكون لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزجره عمر وانتهره علي فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال فعرفه، فأرسل إليه وقال: أعد علي ما قلته. فأعاد عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه. وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الحق، فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآية أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها، فلم يتعد ذلك فيها، وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجها. فذهب كل إنسان مذهبا لا يذهب إليه الآخر، وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما يهديهم إلى الصواب، أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات، فلم يكن بد من الأخذ ببادي الرأي، أو التأويل بالتخرص الذي لا يغني من الحق شيئا، إذ لا دليل عليه من الشريعة، فضلوا وأضلوا.
ومما يوضح ذلك ما خرجه ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا: كيف رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين. فسر سعيد بن جبير من ذلك، فقال: مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44] ويقرنون معها: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} [الأنعام: 1] فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه ومن عدل بربه فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون فيخرجون فيقتلون ما رأيت، لأنهم يتأولون هذه الآية. فهذا معنى الرأي الذي نبه عليه ابن عباس، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل القرآن فيه»
قال ابن كثير في «تفسيره» (ج3ص109):
«{وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (45)}
وهذا أيضا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك عمدا وعنادا، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري، بل يعدلون إلى الدية كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار ولهذا قال هناك {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ} لأنهم جحدوا حكم الله قصدا منهم وعنادا وعمدا، وقال هاهنا {فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ} لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا على بعضهم بعضا.»
قصده في الجحود: قال في «تفسيره» (ج3ص103):
«وقد وردت الأحاديث في ذلك فقال مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فقالوا: نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم؛ فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده، فإذا آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة، أخرجاه، وهذا لفظ البخاري...»
«باب
في قتل أهل العصبية والعداوة من المسلمين
من كتاب ابن سحنون قال سحنون: قال الله سبحانه: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) إلى قوله (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله).
قال من لقينا من العلماء: معنى ذلك إذا خرج بعضهم على بعض بغياً ورغبة عن حكم الإسلام على العصبية فسقاً وخلوعاً، فليدعهم الإمام ومن معه إلى الرجوع إلى التحاكم وإلى التناصف عند حاكم من حكام المسلمين، فإن فعلوا قبل منهم، وإن أبت الطائفتان أو إحداهما قاتل الإمام من أبى وحلت دماؤهم حتى يقهروا»
«القول في تأويل قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) }
يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون بينهما بالدعاء إلى حكم كتاب الله، والرضا بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح بينهما بالعدل (فإن بغت إحداهما على الأخرى) يقول: فإن أبت إحدى هاتين الطائفتين الإجابة إلى حكم كتاب الله له، وعليه وتعدت ما جعل الله عدلا بين خلقه، وأجابت الأخرى منهما (فقاتلوا التي تبغي) يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى الإجابة إلى حكم الله (حتى تفيء إلى أمر الله) يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه (فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل) يقول: فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل: يعني بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه.»
«وإذا كان من قول السلف: إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم: إنه يكون فيه إيمان وكفر، ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44] قالوا: كفروا كفراً لا ينقل عن الملة، وقد اتبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة.»
«وأما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية... أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة... أو يرتشي في حكمه أو يحكم بغير ما أنزل الله... إلى غير ذلك من أنواع المحرمات: فهؤلاء يعاقبون تعزيرا وتنكيلا وتأديبا بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته.»
«وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق".
وهذا الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه؛ فإن الله سبحانه سمى الحاكم بغير ما أنزله كافرا، وسمى جاحد ما أنزله على رسوله كافرا. وليس الكافران على حد سواء.»
«ذكر سبحانه حكم التوراة والإنجيل، ثم ذكر أنه أنزل القرآن، وأمر نبيه أن يحكم بينهم بالقرآن ولا يتبع أهواءهم عما جاءه من الكتاب، وأخبر أنه جعل لكل واحد من الأنبياء شرعة ومنهاجا فجعل لموسى وعيسى ما في التوراة والإنجيل من الشرعة والمنهاج، وجعل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما في القرآن من الشرعة والمنهاج، وأمره أن يحكم بما أنزل الله، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله، وأخبره أن ذلك هو حكم الله، ومن ابتغى غيره فقد ابتغى حكم الجاهلية، وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [سورة المائدة 44]
وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالا، كمن تقدم أمرهم
وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [سورة النساء 65] فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزما لحكم الله ورسوله باطنا وظاهرا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة.
وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله. وقد تكلم الناس بما يطول ذكره هنا، وما ذكرته يدل عليه سياق الآية.
والمقصود أن الحكم بالعدل واجب مطلقا، في كل زمان ومكان على كل أحد ولكل أحد، والحكم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو عدل خاص، وهو أكمل أنواع العدل وأحسنها، والحكم به واجب على النبي صلى الله عليه وسلم وكل من اتبعه، ومن لم يلتزم* حكم الله ورسوله فهو كافر.
وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه من الأمور الاعتقادية والعملية. قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات} [سورة البقرة 213]
وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [سورة الشورى 10] . وقال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [سورة النساء 59] فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة، ليس لأحد أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا ملك.
ومن اعتقد أنه يحكم بين الناس بشيء من ذلك، ولا يحكم بينهم بالكتاب والسنة فهو كافر، وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة، لا يحكمون في الأمور الكلية، وإذا حكموا في المعينات فعليهم أن يحكموا بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم برأيه.»
*معنى الالتزام عند ابن تيمية:
قال في «مجموع الفتاوى» (ج20ص97):
«وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين. ومورد النزاع هو فيمن أقر بوجوبها والتزم فعلها ولم يفعلها وأما من لم يقر بوجوبها فهو كافر باتفاقهم وليس الأمر كما يفهم من إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم: أنه إن جحد وجوبها كفر وإن لم يجحد وجوبها فهو مورد النزاع بل هنا ثلاثة أقسام: أحدها: إن جحد وجوبها فهو كافر بالاتفاق. والثاني: أن لا يجحد وجوبها لكنه ممتنع من التزام فعلها كبرا أو حسدا أو بغضا لله ورسوله فيقول: اعلم أن الله أوجبها على المسلمين والرسول صادق في تبليغ القرآن ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارا أو حسدا للرسول أو عصبية لدينه أو بغضا لما جاء به الرسول فهذا أيضا كافر بالاتفاق فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدا للإيجاب فإن الله تعالى باشره بالخطاب وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين. وكذلك أبو طالب كان مصدقا للرسول فيما بلغه لكنه ترك اتباعه حمية لدينه وخوفا من عار الانقياد واستكبارا عن أن تعلو أسته رأسه فهذا ينبغي أن يتفطن له ومن أطلق من الفقهاء أنه لا يكفر إلا من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده متناولا للتكذيب بالإيجاب ومتناولا للامتناع عن الإقرار والالتزام كما قال تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} وقال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} وإلا فمتى لم يقر ويلتزم فعلها قتل وكفر بالاتفاق. والثالث: أن يكون مقرا ملتزما؛ لكن تركها كسلا وتهاونا؛ أو اشتغالا بأغراض له عنها فهذا مورد النزاع كمن عليه دين وهو مقر بوجوبه ملتزم لأدائه لكنه يمطل بخلا أو تهاونا. وهنا قسم رابع وهو: أن يتركها ولا يقر بوجوبها؛ ولا يجحد وجوبها؛ لكنه مقر بالإسلام من حيث الجملة فهل هذا من موارد النزاع؛ أو من موارد الإجماع؟»
فهذا كلام صريح منه في معنى «الالتزام» وهو الإقرار بالوجوب، وأن الأمر لازم له ولا تبرأ ذمته إلا بأدائه، وأما عمله إياه أو تركه إياه فشأن آخر، والله أعلم.
وهذا كما قال تلميذه ابن القيم في «زاد المعاد» (ج5ص160):
«وأما نكاح الزانية: فقد صرح سبحانه بالحكم بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه وخالفه فهو زان»
وفي «إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان» (ج1ص109):
«...فإذا انتفى الإحصان انتفت الإباحة المشروطة به، فالمتزوج إما أن يلتزم حكم الله وشرعه الذي شرعه على لسان رسوله، أو لا يلتزمه
فإن لم يلتزم فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إلا من هو مشرك مثله
وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه لم يصح النكاح، فيكون زانيا»
«وسئل:
عن رجل تولى حكومة على جماعة من رماة البندق ويقول: هذا شرع البندق وهو ناظر على مدرسة وفقهاء: فهل إذا تحدث في هذا الحكم والشرع الذي يذكره تسقط عدالته من النظر أم لا؟ وهل يجب على حاكم المسلمين الذي يثبت عدالته عنده إذا سمع أنه يتحدث في شرع البندق الذي لا يشرعه الله ولا رسوله أن يعزله من النظر أم لا؟
الحمد لله، ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين ولا الكفار ولا الفتيان ولا رماة البندق ولا الجيش ولا الفقراء ولا غير ذلك: إلا بحكم الله ورسوله. ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} وقوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فيجب على المسلمين أن يحكموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم ومن حكم بحكم البندق وشرع البندق أو غيره مما يخالف شرع الله ورسوله وحكم الله ورسوله وهو يعلم ذلك: فهو من جنس التتار الذين يقدمون حكم " الياسق " على حكم الله ورسوله ومن تعمد ذلك فقد قدح في عدالته ودينه ووجب أن يمنع من النظر في الوقف. والله أعلم.»
قال الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى في «تفسيره» (ج4ص1380):
«قوله تعالى: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون
7848 - حدثنا أبي ثنا أبو صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وإن أطعتموهم في كل ما نهيتكم عنه إنكم لمشركون.
7849 - حدثنا أبو زرعة ثنا يحيى بن عبد الله حدثني ابن لهيعة حدثني عطاء عن سعيد بن جبير قوله: وإن أطعتموهم يعني استحلالا في أكل الميتة إنكم لمشركون مثلهم.
7850 - حدثنا علي بن الحسين ثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا مالك بن إسماعيل ثنا عيسى بن عبد الرحمن قال: سألت الشعبي عن هذه الآية: وإن أطعتموهم إنكم لمشركون قال: قلت تزعم الخوارج أنها في الأمراء. قال: كذبوا إنما أنزلت هذه الآية في المشركين كانوا يخاصمون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: أما ما قتل الله فلا تأكلون منه يعني الميتة، وأما ما قتلتم أنتم فتأكلون منه، فأنزل الله: ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق إلى قوله: إنكم لمشركون قال: لئن أكلتم الميتة وأطعتموهم إنكم لمشركون»
وقال أبو حيان في «البحر المحيط في التفسير» (ج4ص633):
«وإن أطعتموهم إنكم لمشركون أي وإن أطعتم أولياء الشياطين إنكم لمشركون لأن طاعتهم طاعة للشياطين وذلك إشراك ولا يكون مشركا حقيقة حتى يطيعه في الاعتقاد، وأما إذا أطاعه في الفعل وهو سليم الاعتقاد فهو فاسق»
قال ابن أبي زيد القيرواني في «الذب عن مذهب الإمام مالك» (ج1ص268):
«ثم أخذ يحتج في إبطال اقتداء الناس بعلمائهم، وقبولهم، ما أفتوهم به، بقول الله سبحانه عز وجل: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} في مثل هذا من الآتي، وأن الرسول عليه السلام قال لحذيفة: إنهم أحلوا لهم الحرام فاستحلوه، وحرموا عليهم الحلال فحرموه.
وهذه عظيمة، ما ظننت أن يتجاسر عليها متجاسر، وكيف يحتج بآية نزلت في قوم من بني إسرائيل بدلوا كتاب الله عنادا وكذبا، ليشتروا به ثمنا قليلا، وقالوا فيما غيروه: إنه من عند الله، وما هو من عند الله افتراء على الله الكذب.»
قال ابن تيمية في «الإيمان» (ص60):
«وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركًا وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك، دون ما قاله الله ورسوله مشركًا مثل هؤلاء.
والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب»
وأما قوله تعالى {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}
فإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله مشارك لله تعالى في حكمه فهو كافر.
فالجواب: أن الآية لا تدل إلا على كفر المبدِّل، وذلك أنها كفَّرت من جمع بين وصفين:
1. التشريع .. {شرعوا لهم}.
2. والنِّسبة للدِّين .. {من الدين}.
وعلى فهم المخالفين للآية كل المبتدعة وقعوا في الشرك الأكبر، لأنهم جميعا مشرعون في الدين
كما قال ابن المثنى في «مجاز القرآن» (ج2ص200):
«{شرعوا لهم من الدين} ابتدعوا»
وكما جاء في «صحيح البخاري» (ج6ص129):
«{شرعوا} ابتدعوا»
وكما قال الطبري في «تفسيره» (ج21ص522):
«القول في تأويل قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21)}
يقول تعالى ذكره: أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم (شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) يقول: ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه»
وابن تيمية في «الاستقامة» (ص5):
«وقد قررنا في القواعد في قاعدة السنة والبدعة أن البدعة هي الدين الذي لم يأمر الله به ورسوله فمن دان دينا لم يأمر الله ورسوله به فهو مبتدع بذلك وهذا معنى قوله تعالى أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله»
وقال أيضا في «مجموع الفتاوى» (ج21ص53):
«ومن انتظر الحوض حتى يفيض؛ ولم يغتسل إلا وحده؛ واعتقد ذلك دينا: فهو مبتدع مخالف للشريعة؛ مستحق للتعزير الذي يردعه وأمثاله عن أن يشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله ويعبدون الله باعتقادات فاسدة وأعمال غير واجبة ولا مستحبة»
والقاضي عياض في «ترتيب المدارك» (ج1ص95):
«وحد بعضهم استحسان أنه الميل إلى القول بغير حجة. وهذا هو الهوى المذموم والشهوة والحدث في الدين والبدعة، حتى قال الشافعي من استحسن فقد شرع في الدين.»
والقصاب في «نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام» (ج4ص97):
«وفي قوله: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) معتبر لمن وفقه الله، في أن القياس، والاستحسان دين لم يأذن الله به، إذ الإذن لا يكون إلا ملفوظا، لا متوهما، ولسنا نجد قائسا، ولا مستحسنا آوى في قياسه إلى آية، أو سنة تصرح له إذنا بالقياس، بل كل ما يحتجون به من مثل العدل، والقبله، وجزاء الصيد، وتحريم الحنطة بالحنطة المتفاضلة نصوص في أنفسها، لأنفسها، وحمل أشباهها - عندهم - عليها توهم، من المتوهمين، لا تصريح به من رب العالين، فهل جعل التوهم دينا يحل به، ويحرم ويعقد ويحل إلا مما لم يأذن الله به عند المنصفين، والمميزين إذا تدبروه»
وابن حزم في «المحلى بالآثار» (ج6ص335):
«وصفة الكفارة: هي أن من حنث، أو أراد الحنث وإن لم يحنث بعد، فهو مخير بين ما جاء به النص -: وهو إما أن يعتق رقبة، وإما أن يكسو عشرة مساكين، وإما أن يطعمهم: أي ذلك فعل فهو فرض، ويجزيه، فإن لم يقدر على شيء من ذلك: ففرضه صيام ثلاثة أيام، ولا يجزئه الصوم ما دام يقدر على ما ذكرنا: من العتق، أو الكسوة، أو الإطعام...
...ولا يجزيه بدل ما ذكرنا: صدقة، ولا هدي، ولا قيمة، ولا شيء سواه أصلا، لأن الله تعالى لم يوجب غير ما ذكرنا، فمن أوجب في ذلك قيمة فقد تعدى حدود الله {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} وقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى {وما كان ربك نسيا}»
ومن صور هذا التشريع: الرهبانية
كما قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (ج27ص148):
«والله تعالى ذم المشركين لأنهم شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله فحرموا أشياء لم يحرمها الله: كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وشرعوا دينا لم يأذن به الله كدعاء غيره وعبادته والرهبانية التي ابتدعها النصارى»
وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (ج14ص449):
«وفي الصحيحين حديث أنس في الأربعة الذين قال أحدهم: أما أنا فأصوم لا أفطر. وقال الآخر: أما أنا فأقوم لا أنام. وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكني أصوم وأفطر وأتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني. فيشبه والله أعلم أن يكون قوله: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} فيمن حرم الحلال على نفسه بقول أو عزم على تركه مثل الذي قال: لا أتزوج النساء ولا آكل اللحم وهي الرهبانية المبتدعة فإن الراهب لا ينكح ولا يذبح.»
وجاء في «تفسير ابن أبي حاتم» (ج4ص1187):
«وحدثنا أبي ثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} قال هم رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فذكر لهم فقالوا: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني»
وجاء في «تفسير عبد الرزاق» (ج2ص22):
«أرنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: أراد ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء ويترهبوا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فغلظ فيهم المقالة، ثم قال: إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد فشددوا فشدد عليهم ، فأولئك بقاياهم الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا فاستقيموا يستقم لكم، قال: ونزلت فيهم {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}»
وقوله تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا}»
وقوله: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا للهِ}
فإن قيل: إن الحاكم بغير ما أنزل الله قد جعل نفسه مشاركاً لله في حكمه فهو كافر
وإن من وضع أحكاماً من عنده فقد نازع الله في أمر خاص به فهو كافر.
فالجواب:
أن من خالف في هذا وأخذ الآية على عمومها لزمه التكفير بكل صور الحكم بغير ما أنزل الله؛ على أنها مشاركة الله في حكمه
ومن خالف في هذا لزمه - كذلك - تكفير المصورين. فقد قال الله عنهم في الحديث القدسي: " من أظلم ممَّن ذهب يخلق كخلقي؟ " (البخاري 5953، مسلم 5509). وقال عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم: " أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " (البخاري 5954، مسلم 5494). ولا فرق بينهما؛ إذ المصور جعل نفسه خالقاً مع الله، والمشرع جعل نفسه مشرعاً مع الله، فمن كفر المشرع مع الله فليكفر الخالق!
ولزمه أيضا تكفير كل من سعّر بضاعة وغلا فيها على الناس لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال " (سنن أبي داود 3451)
وأما استدلالهم بكلام بعض العلماء على أن من حكم بغير ما أنزل الله يسمى طاغوتًا، فإن أرادوا تطبيق ذلك بدون تفصيل، لزمهم كذلك تكفير كل ساحر بدون تفصيل
قال ابن أبي حاتم في «تفسيره» (ج2ص495):
«حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عقبة، عن حنش بن الحارث، سمعت الشعبي يقول: الطاغوت: الساحر.»
وقال الإمام الشافعي في «الأم» (ج1ص293):
«والسحر اسم جامع لمعان مختلفة فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب، وإلا قتل، وأخذ ماله فيئا، وإن كان ما يسحر به كلاما لا يكون كفرا وكان غير معروف، ولم يضر به أحدا نهي عنه فإن عاد عزر»
وقال ابن المنذر في «الإقناع» (ج2ص685):
«وإن كان الكلام الذي ذكر أنه سحر به ليس بكفر لم يجز قتله، فإن كان أحدث في المسحور جناية توجب القصاص اقتص منه إن كان عمد ذلك، وإن كان ذلك مما لا قصاص فيه، ففيه دية ذلك.»
ولزمهم تكفير كل من يطاع في معصية الله بدون تفصيل
قال الطبري في «تفسيره» (ج8ص465):
«وذلك أن"الجبت" و"الطاغوت": اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم، من حجر أو إنسان أو شيطان. وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها، كانت معظمة بالعبادة من دون الله = فقد كانت جبوتا وطواغيت وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله. وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف، لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين.»
أما استدلالهم بكلام ابن راهويه
يقولون: نقل إسحاق اتفاق أهل العلم إذ قال: أجمع العلماء أن من سب الله عز وجل، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو دفع شيئًا أنزله الله، أو قتل نبيا من أنبياء الله، وهو مع ذلك مقر بما أَنزَلَ الله؛ أنَّه كافر. اورده ابن عبد البر في التمهيد
وإسحاق أبدا لا يقصد مقصودكم هذا نص كلامه في حكاية تلميذه المقرب محمد بن نصر لا الحافظ ابن عبد البر الذي عاش بعده بقرون
«تعظيم قدر الصلاة - محمد بن نصر المروزي» (ج2ص930):
«قال إسحاق: ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ومما جاء من عنده ثم قتل نبيا أو أعان على قتله وإن كان مقرا، ويقول: قتل الأنبياء محرم فهو كافر، وكذلك من شتم نبيا أو رد عليه قوله من غير تقية ولا خوف.
992 - ألا ترى إلى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أعطى الأعرابي ثم قال له: «أحسنت» قال: ولا أجملت فغضب أصحابه رضي الله عنهم حتى هموا بقتله فأشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم بالكف، وقال للأعرابي: «تأتينا» فجاءه في بيته فأعطاه وزاده، ثم قال له: أحسنت قال أي والله، وأجملت فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " إن مثلي ومثل هذا ومثلكم كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فقال صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أعلم بها وأرفق، فأخذ من ثمام الأرض شيئا، ثم جاءها من بين يديها فجعل يقول لها: هوى هوى فجاءت فاستناخت بين يديه فشد عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو أطعتكم حين قال هذا ما قال فقتلته دخل النار " قال إسحاق رحمه الله: أخبرني بذلك عدة منهم إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبى هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
993 - قال إسحاق: ففي هذا تصديق ما وصفنا أنه يكفر بالرد على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن كل من كان كفره من جهة الجهل وغير الاستهانة رفق به حتى يرجع إلى ما أنكره كما رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالأعرابي ، وقوله لأصحابه: «إني لو قتلته حين قال ما قال دخل النار» دل أن نبوته على قوله يصير به كافرا، وإن كل من كفر فرجوعه إلى الإيمان فيه عن ذلك، ولا يدعى في رجوعه عن كفره إلى الإقرار بالإيمان، وذلك أنهم لم يكن جاحدا فكذلك تارك الصلاة يدعى إلى الصلاة فإذا ندم وراجع زال عنه الكفر.
994 - قال إسحاق: وكل شيء من الوقيعة في الله عز وجل أو في شيء أنزل الله تعالى على أنبيائه فهو كفر يخرجه من إيمانه، وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله تعالى»
وقال عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في «الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة» (ص346):
«ومعنى قول إسحاق رحمه الله تعالى: "أو دفع شيئا مما أنزل الله" أن يدفع ويرد شيئا مما أنزل الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الفرائض أو الواجبات أو المسنونات أو المستحبات، بعد أن يعرف أن الله أنزله في كتابه أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه ثم دفعه بعد ذلك فهو كافر مرتد وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله من الشرع إلا ما دفعه أو أنكره لمخالفته هواه أو عادته أو عادة أهل بلده، وهذا معنى قول العلماء رضي الله عنهم: من أنكر فرعا مجمعا عليه فقد كفر فإذا كان من أنكر النهي عن الأكل بالشمال أو النهي عن إسبال الثياب - بعد معرفته أن الرسول صلى الله ليه وسلم نهى عن ذلك - فهو كافر مرتد وإن كان من أعبد الناس وأزهدهم»
وهذا كما قال ابن عبد البر نفسه في «التمهيد» (ج5ص147):
«لا نسميه ولا نصفه ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه، على ما تقدم ذكرنا له من وصفه لنفسه، لا شريك له، ولا ندفع ما وصف به نفسه، لأنه دفع للقرآن»
وكما قال ابن تيمية في «الصواعق المرسلة» (ج1ص479):
«واحتاجوا إلى دفع ما جاء به، إما بتكذيب، وإما بتأويل، وإما بإعراض وتفويض»
جاء في كتاب «الشريعة» لمحمد ابن الحسين للآجري (ج1ص322):
«حدثنا إسحاق بن أبي حسان الأنماطي قال: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي قال: حدثنا عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين قال: حدثنا الأوزاعي قال: ثنا يونس بن يزيد، عن الزهري، عن الصنابحي، عن حذيفة بن اليمان قال: " لتتبعن أثر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئنكم، ولتنقضن عرى الإسلام عروة فعروة، ويكون أول نقضها الخشوع حتى لا يرى خاشعا، وحتى يقول أقوام: ذهب النفاق من أمة محمد فما بال الصلوات الخمس؟ لقد ضل من كان قبلنا حتى ما يصلون بينهم أولئك المكذبون بالقدر، وهم أسباب الدجال، وحق على الله أن يلحقهم بالدجال قال محمد بن الحسين: من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل، علم أن أكثرهم العام منهم يجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى سنن كسرى وقيصر وعلى سنن أهل الجاهلية وذلك مثل السلطنة وأحكامهم وأحكام العمال والأمراء وغيرهم، وأمر المصائب والأفراح والمساكن واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب والخدم والمجالس والمجالسة، والبيع والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والله المستعان، ما أقل من يتخلص من البلاء الذي قد عم الناس، ولن يميز هذا إلا عاقل عالم قد أدبه العلم، والله الموفق لكل رشاد، والمعين عليه»
قال النسائي في «السنن الكبرى» (ج10ص257):
«أخبرنا علي بن الحسين، قال: حدثنا أمية بن خالد، عن شعبة، عن محمد بن زياد، قال: لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر...»
وقال ابن أبي خيثمة في «التاريخ الكبير» (ج2ص70):
«وحدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد: إن معاوية كتب إلى مروان بن الحكم أن يبايع الناس ليزيد. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية وقوقية! تبايعون لأبنائكم؟!»
وقال أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة» (ج4ص416):
«حدثنا عبيد الله بن عائشة نا حماد بن سلمة حدثنا محمد بن زياد عن عائشة أن معاوية كتب إلى مروان أن يبايع ليزيد بن معاوية فقال عبد الرحمن بن أبي بكر جئتم بها هرقلية وفوقية! تبايعون لأبنائكم؟»
وقال ابن أبي الدنيا في «الإشراف في منازل الأشراف» (ص218):
«أخبرني محمد بن أبي معشر، قال: حدثنا أبو معشر، عن أبي كثير مولى لآل الزبير قال: جاء كتاب من معاوية إلى مروان وهو على المدينة إن سيد المسلمين وشبه أمير المؤمنين يزيد ابن أمير المؤمنين وإنا قد بايعنا له، قال: فمسح مروان إحدى يديه على الأخرى فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: يا مروان إنما هي هرقلية كلما مات هرقل كان هرقل مكانه ما لأبي بكر لم يستخلفني؟ وما لعمر لم يستخلف عبد الله؟»
وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج11ص330):
«وقد قال عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: حدثني عبد الرحمن بن أبي بكر - ولم يجرب عليه كذبة قط - ذكر عنه حكاية; أنه لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة، قال عبد الرحمن لمروان: جعلتموها والله هرقلية وكسروية. يعني جعلتم ملك الملك لمن بعده من ولده»
قال الخطابي في «غريب الحديث» (ج2ص517):
«قوله: قوقية يريد البيعة للأولاد سنة ملوك العجم وقوق اسم ملك من ملوك الروم وإليه تنسب الدنانير القوقية كما نسبت الهرقلية إلى هرقل»
وقال ابن الجوزي في «غريب الحديث» (ج2ص497):
«ولما بايع معاوية ليزيد قال عبد الرحمن بن أبي بكر أهرقلية أي أتجزون على سنة هرقل وهو قيصر في إقامة الولد مقام الوالد»
والشاهد هنا أنه رغم اتهام عبد الرحمن لمعاوية رضي الله عنه بأنه طبَّق قانونًا وضعيًّا من «سنة هرقل وقيصر»، فإنه وسائر رواة هذه القصة لم يكفروه
وتفسير قوله تعالى {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا - وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا - فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا - أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا - وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما - فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}
فإن قيل: إن من تحاكم إلى غير الشريعة فقد كفر؛ لأن الله قد حكم عليه بالنفاق.
فالجواب:
صحيح أن الآية جاءت في شأن المنافقين، لكن معناها محتمل لأمرين:
1. أن إيمانهم صار مزعوماً (= أنهم صاروا منافقين) لكونهم أرادوا الحكم بالطاغوت، وهذا ما يتمسك به المخالف.
2. أن من صفات أهل الإيمان المزعوم (= المنافقين) أنهم يريدون التحاكم للطاغوت، ومشابهة المؤمن للمنافقين في صفة من صفاتهم - كالكذب - لا توجب الكفر، فعلى هذا؛ فإن من حكم بغير ما أنزل الله فقد شابه المنافقين في صفة من صفاتهم ووقع في نفاق العمل (= النفاق الأصغر)، وهذا لا يوجب لهم الكفر إلا بدليل آخر.
كما جاء في «مسند أحمد» (ج16ص539):
«حدثنا حسن، حدثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وحدثنا حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»
وكما قال الترمذي في «السنن» (ج4ص578):
«حدثنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن سفيان، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: أربع من كن فيه كان منافقا، وإن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر.
هذا حديث حسن صحيح.
وإنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل، وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، هكذا روي عن الحسن البصري شيء من هذا، أنه قال: النفاق نفاقان: نفاق العمل، ونفاق التكذيب.»
وأما قولهم إن من تحاكم إلى الطاغوت «لم يكفر به»، استدلالًا بقوله تعالى: {وقد أمروا أن يكفروا به}، وأنه بناءً على ذلك «لم يؤمن بالله»، استدلالًا بقوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}، فهذا احتجاج باطل لم يسبقهم إليه أحد من السلف.
وجواب أهل السنة عن هذه الشبهة: أن من لم يكفر ويتبرأ من الطاغوت في بعض الأمور لا يقال إنه «ترك الكفر بالطاغوت»، ولا يحكم عليه بعدم الإيمان بالله على الإطلاق.
وهناك أفعال كثيرة تخالف الأمر بالكفر بالطاغوت والتبرؤ منه واجتنابه - كطاعته في المعاصي، والتجسس له، والحلف باسمه، وترك تقبيحه باللسان، أو عدم مفارقته - ومع ذلك فلا يكفر أحد فاعل ذلك
كما قال سليمان بن سحمان في «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (ج10ص502):
«فبين تعالى أن المستمسك بالعروة الوثقى، هو الذي يكفر بالطاغوت؛ وقدم الكفر به على الإيمان بالله، لأنه قد يدعي المدعي أنه يؤمن بالله، وهو لا يجتنب الطاغوت، وتكون دعواه كاذبة.
وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت}، فأخبر أن جميع المرسلين قد بعثوا باجتناب الطاغوت، فمن لم يجتنبه فهو مخالف لجميع المرسلين، قال تعالى: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى}. ففي هذه الآيات من الحجج على وجوب اجتنابه وجوه كثيرة؛ والمراد من اجتنابه هو بغضه، وعداوته بالقلب، وسبه وتقبيحه باللسان، وإزالته باليد عند القدرة، ومفارقته، فمن ادعى اجتناب الطاغوت ولم يفعل ذلك فما صدق.»
وأوضح الأمثلة في ذلك حال الكاهن، وهو طاغوت كما ذكر البخاري في «صحيحه» (ج6ص45):
«وقال عكرمة: الجبت بلسان الحبشة: شيطان، والطاغوت: الكاهن»
وتكذيب ما جاء به الطاغوت هو بعينه الكفر به، كما قال الطبري في «تفسيره» (ج8ص507):
«{وقد أمروا أن يكفروا به}، يقول: وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه، فتركوا أمر الله واتبعوا أمر الشيطان»
ومع ذلك فلم يكفر أحد من أهل العلم من خالف هذا وذهب إلى الكاهن وصدقه فيما يقول، مع أنه في هذه الحال «لم يكفر بالطاغوت» - لعدم تكذيبه له.
كما قال عبد الرحمن بن قاسم النجدي في «حاشية كتاب التوحيد» (ص204):
«وفي الطبراني عن واثلة مرفوعا: من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة، فإن صدقه بما قال كفر. والأحاديث التي فيها الكفر مقيدة بتصديقه، وظاهر الحديث أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، وهل الكفر في هذا الموضع كفر دون كفر فلا ينقل عن الملة، أو يتوقف فيه كما هو أشهر الروايتين عن أحمد؟ والذي يصدق العراف أو الكاهن لم يكفر بالطاغوت، بل مؤمن به»
قال ابن وهب في «الجامع» (ص766):
«وأخبرني ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن وداعة: أنه دخل على فضالة بن عبيد، صاحب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرب إليه طعاما، فقال فضالة: تدري ما هذا؟، إن فلانة أم ولد له كانت ذهبت إلى كاهن تسأله عن شيء، فأمرتها أن تصوم أربعين يوما كفارة لذلك، فاليوم تمام ذلك»
وقال الإمام مسلم في «صحيحه» (ج7ص37):
«حدثنا محمد بن المثنى العنزي ، حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد - عن عبيد الله ، عن نافع ، عن صفية ، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة»
قال الترمذي في «سننه» (ج1ص242):
«حدثنا بندار قال: حدثنا يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وبهز بن أسد، قالوا: حدثنا حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فقد كفر بما أنزل على محمد.
لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ»
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في «الإيمان» (ص37) في باب الخروج من الإيمان بالمعاصي:
«ومن النوع الذي في تسمية الكفر: قول النبي صلى الله عليه وسلم حين مطروا، فقال: "أتدرون ما قال ربكم؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن وكافر، فأما الذي يقول: مطرنا بنجم كذا وكذا كافر بي مؤمن بالكوكب، والذي يقول هذا رزق الله ورحمته مؤمن بي وكافر بالكوكب" وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" وقوله: "من قال لصاحبه: كافر فقد باء به أحدهما" وقوله: "من أتى ساحرا أو كاهنا فصدقه بما يقول، أو أتى حائضا أو امرأة في دبرها فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" وقول عبد الله: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر" وبعضهم يرفعه...»
وقال ابن بطة في «الإبانة الكبرى» (ج2ص728) في باب ذكر الذنوب التي تصير بصاحبها إلى كفر غير خارج عن الملة:
«...عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أتى عرافا أو كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم»
وقال ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (ص238):
«...عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى حائضا أو امرأة في دبرها أو كاهنا وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد
...
...فهذه الأحاديث وما أشبهها معناها أن هذه الأفعال المذكورة فيها من أخلاق الكفار والمشركين وسننهم منهي عنها ليتحاشها المسلمون، وأما أن يكون من فعل شيئا منها مشركا بالله أو كافرا فلا»
وقال ابن القيم في «مدارج السالكين» (ج1ص517):
«فأما الكفر، فنوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.
فالكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار.
والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود، كما في قوله... وفي الحديث الآخر: من أتى كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم»
وقال الحجاوي في «الإقناع» (ج4ص297):
«ومن أطلق الشارع كفره - فهو كفر لا يخرج به عن الإسلام: كدعواهم لغير أبيهم وكمن أتى عرافا فصدقه بما يقول فهو تشديد وكفر لا يخرج به عن الإسلام»
قال الإمام ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى في «تفسيره» (ج3ص993):
«حدثنا حجاج بن حمزة، ثنا شبابة ثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم إلى قوله: رحيما هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم الذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف»
(تنبيه مهم: قال ابن أبي حاتم في مقدمة تفسيره: «فتحريت إخراج ذلك (التفسير) بأصح الأخبار إسنادا، وأشبعها متنا»)
وقال الطبري في «تفسيره» (ج8ص517):
«وقال مجاهد: عني بذلك اليهودي والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف.»
وقد قرر جمهور المفسرين أن المنافقين المذكورين في الآية نافقوا قبل احتكامهم إلى الطاغوت لبغضهم حكم الله في قلوبهم، وتعظيمهم وتفضيلهم حكم الطاغوت، استنادًا إلى قوله تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم}
قال الإمام الطبري في «تفسيره» (ج8ص507):
«القول في تأويل قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا (60)}
قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: "ألم تر"، يا محمد، بقلبك، فتعلم = إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قلبك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت = يعني إلى: من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله، ="وقد أمروا أن يكفروا به"، يقول: وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوتُ الذي يتحاكمون إليه، فتركوا أمرَ الله واتبعوا أمر الشيطان ="ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا"، يعني: أن الشيطان يريد أن يصدَّ هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالا بعيدًا = يعني: فيجور بهم عنها جورًا شديدًا»
وقال ابن أبي حاتم في «تفسيره» (ج3ص992):
«قوله تعالى: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا
5553 - حدثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكم، أنبأ أبو بكر الحنفي ثنا عباد بن منصور قال: سألت الحسن، يعني: عن قوله: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم قال: عقوبة لهم بنفاقهم وكرهوا حكم الله، ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا.»
وقال ابن عبد الهادي الحنبلي في «الصارم المنكي في الرد على السبكي» (ص317):
«{وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} وكذلك هذه الآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت دون حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم»
وذكر كثير من العلماء والمفسرين أن الله تعالى أمر الرسول بالإعراض عن هؤلاء المتحاكمين وعدم معاقبتهم ما داموا يظهرون الإيمان ولا يظهرون ما في قلوبهم من النفاق، استنادًا إلى قوله تعالى: {فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا}
قال الإمام الطبري في «تفسيره» (ج8ص515):
«القول في تأويل قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا (63) }
قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله:"أولئك"، هؤلاء المنافقون الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم ="يعلم الله ما في قلوبهم" في احتكامهم إلى الطاغوت، وتركهم الاحتكام إليك، وصدودهم عنك = من النفاق والزيغ، وإن حلفوا بالله: ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا ="فأعرض عنهم وعظهم"، يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأسَ الله أن يحلّ بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذِّرهم من مكروهِ ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله =،"وقل لهم في أنفسهم قولا بليغًا"، يقول: مرهم باتقاء الله والتصديق به وبرسوله ووعده ووعيده.»
وقال أبو الليث السمرقندي الحنفي في «تفسيره» (ج1ص314):
«ثم قال تعالى: فأعرض عنهم ولا تعاقبهم وعظهم بلسانك وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا يقول: خوفهم وهددهم إن فعلتم الثاني عاقبتكم»
وقال السمعاني في «تفسيره» (ج1ص443):
«قوله تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} خلاف ما على ألسنتهم {فأعرض عنهم وعظهم} فإن قال قائل: كيف يتصور الجمع بين الإعراض والوعظ وقد أمر الله تعالى بهما؟
قيل معناه: فأعرض عن عقوبتهم، وعظهم.
وقيل: معناه: فأعرض عن قبول عذرهم، وعظهم {وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} القول البليغ: هو ما يبلغ الإنسان بلسانه كنه ما في قلبه،
وقيل: هو التخويف بالله تعالى
وقيل: هو أن يقول: إن رجعتم إلى هذا، فأمركم القتل.»
وقال الثعلبي في «تفسيره» (ج10ص457):
«{فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} وقيل: فأعرض عنهم، وعظهم باللسان، ولا تعاقبهم،
وقيل: توعدهم بالقتل إن لم يتوبوا.
الضحاك: {فأعرض عنهم وعظهم} في الملأ، {وقل لهم} في السر والخلاء {قولا بليغا}
وقيل: هذا منسوخ بآية القتال»
وجاء في «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد» (ص484):
«وقوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفسهمْ قَوْلاً بَلِيغاً}.
قال ابن القيم: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم فيهم بثلاثة أشياء:
أحدها: الإعراض عنهم إهانة لهم، وتحقيرًا لشأنهم، وتصغيرًا لأمرهم لا إعراض متاركة وإهمال، وبهذا يعلم أنها غير منسوخة.
الثاني: قوله: وعظهم وهو تخويفهم عقوبة الله وبأسه ونقمته إن أصروا على التحاكم إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه.
الثالث: قوله: وقل لهم في أنفسهم قولًا بليغًا، أي: يبلغ تأثيره إلى قلوبهم ليس قولاً لينًا لا يتأثر به المقول له، وهذه المادة تدل على بلوغ المراد بالقول، فهو قول يبلغ به مراد قائله من الزجر والتخويف ويبلغ تأثيره إلى نفس المقول له، ليس هو كالقول الذي يمر على الأذن صفحًا.
وهذا القول البليغ يتضمن ثلاثة أمور:
أحدها: عظم معناه، وتأثر النفوس به.
الثاني: فخامة ألفاظه وجزالتها.
الثالث: كيفية القائل في إلقائه إلى المخاطب فإن القول كالسهم، والقلب كالقوس الذي يدفعه وكالسيف، والقلب كالساعد الذي يضرب به.
وفي متعلق قوله: {فِي أَنْفُسِهِمْ} قولان:
أحدهما: بقوله {بَلِيغاً} أي: قولاً بليغًا في أنفسهم، وهذا حسن من جهة المعنى، ضعيف من جهة الإعراب، لأن صفة الموصوف لا تعمل فيما قبلها.
والقول الثاني: أنه متعلق بقل وفي المعنى على هذا قولان:
أحدهما: قل لهم في أنفسهم خاليًا بهم ليس معهم غيرهم بل مسرًّا لهم النصيحة.
والثاني: أن معناه قل لهم في معنى أنفسهم، كما يقال: قل لفلان في كيت وكيت، أي: في ذلك المعنى.
قلت: وهذا القول أحسن.»
الشاهد:
1) فسروا الإعراض والقول البليغ بخلاف حكم المرتد المشهور ولو كان التحاكم كفرًا ظاهرًا وعبادة محضة لا لبس فيها كما يدعي الخوارج لما جاء الأمر بالإعراض والوعظ كما قال أبو عبيد القاسم بن سلام في «الإيمان» (ص92):
«ثم قد وجدنا الله تبارك وتعالى يكذب مقالتهم؛ وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من بدل دينه فاقتلوه"، أفلا ترى أنهم لو كانوا كفارا لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟»
2) بعضهم صرحوا بعدم نسخ الآية وبعضهم نقلوا القول بالقتل والنسخ بصيغة التمريض (قيل) وهذا يدل على أن المسألة خلافية عندهم
والقول بالقتل لا يستلزم تكفير المتحاكمين أيضًا كما قال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (ص300):
«فإن قيل: فقد خرج النسائي من حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام فحارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض». وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة.
قيل: قد خرج أبو داود حديث عائشة بلفظ آخر...
وبكل حال فحديث عائشة ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعا، وروي عنها موقوفا، وحديث ابن مسعود لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته، ولكن يقال على هذا: إنه قد ورد قتل المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث:
فمنها:..
...ومنها: قتل من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع، وقال به طائفة من العلماء.
ومنها: من ترك الصلاة، فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم: إنه ليس بكافر، وقد سبق ذكر ذلك مستوفى.
ومنها قتل شارب الخمر في المرة الرابعة...»
قال ابن أبي زمنين في «تفسير القرآن العزيز» (ج1ص384):
«{فأعرض عنهم} فلا تقتلهم ما جعلوا يظهرون الإيمان {وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم.»
وكذلك قال عز الدين الرسعني في «تفسيره» (ج1ص547):
«﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾ وهو كعب بن الأشرف، سُمِّي بذلك؛ لإفراطه في الطغيان، وعداوة الإسلام.
﴿وقد أُمروا أن يكفروا به﴾ قال مقاتل: أُمروا أن يتبرأوا من الكهنة.
قوله: ﴿فكيف إذا أصابتهم مصيبة﴾ أي: كيف يكون حالهم إذا أصابتهم عقوبة من الله.
قيل: هي قتل المنافق، ﴿بما قدمت أيديهم﴾ من النفاق والتحاكم إلى الطاغوت، ﴿ثم جاءوك﴾ يعني: أولياء المنافق، وكانوا قد طلبوا القصاص من عمر رضي الله عنه، ﴿يحلفون بالله إن أردنا﴾ بطلب القصاص، ﴿إلا إحساناً وتوفيقاً﴾ أي: خيراً وطلباً لما يوافق الحق.
وقيل: ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا إحساناً وتوفيقاً بين الخصمين، لا مخالفة حكمك، وعدم الرضا بقضائك، وذلك كذب منهم. ألا تراه يقول: ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم﴾ يعني: من الكفر والنفاق وإضمارهم خلاف ما يقولون، ﴿فأعرض عنهم﴾ أي: دع عقوبتهم.
ذهب جماعةٌ من المفسِّرين إلى أن الأمرَ بالإعراض منسوخ بآية السيف.
وهذا ليس بصحيح؛ لأن آية السيف اقتضت إباحة دم المشركين، وحضَّت على قتلهم، والمنافق معصوم الدم؛ لإظهاره كلمة الحق.
﴿وعظهم﴾ خَوِّفهم أن يعودوا لمثلها، وحذرهم من النفاق.
﴿وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً﴾ أي: قل لهم وبالغ في وعظهم مبالغة تؤثر في نفوسهم وتبلغ كُنْه قلوبهم.
قال الحسن البصري رحمه الله: المعنى: قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قُتِلتم»
الشاهد: لو كان مجرد التحاكم كفرًا أكبر لذاته، لما صحَّ أن يُقال عن المتحاكمين إنهم يُتركون ما داموا «يظهرون الإيمان» ولا «يظهرون ما في قلوبهم» (وهو الشرك والنفاق وبغض حكم الله تعالى). فهل يُقال في رجل شوهد ساجدًا لصنم: يُترك ما دام يُظهر الإيمان ولا نرى ما في قلبه؟! هذا هو الإرجاء بعينه!
قال ابن حزم في «المحلى بالآثار» (ج12ص128):
«وقال تعالى {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم} [النساء: 60] إلى قوله تعالى: {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65]
وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا» في كتاب مسلم وغيره «إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» ومن طريق مسلم أيضا - نا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير قالا جميعا: نا عبد الله بن نمير نا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أربع من كن فيه كان منافق خالصا ومن كانت فيه خلة منهن كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، إذا وعد أخلف، إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» فقد صح أن هاهنا نفاقا لا يكون صاحبه كافرا، ونفاقا يكون صاحبه كافرا، فيمكن أن يكون هؤلاء الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت لا إلى النبي صلى الله عليه وسلم مظهرين لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم عصاة بطلب الرجوع في الحكم إلى غيره معتقدين لصحة ذلك، لكن رغبة في اتباع الهوى، فلم يكونوا بذلك كفارا بل عصاة»
وقال ابن حزم في «رسائله» (ج3ص168):
«فعلى هذا الوجه يجب قراءة كتب الرأي، لا على ما سواه. فمن قرأها على هذا أجر، وانتفع بها جداً، وأما من قرأها متديناً بها غير عارض لها على القرآن وحديث النبي فهو فاسق، لعصيانه ما أمره الله تعالى به، ولأنه لم يحكم بما انزل الله: فمن جمع إلى هذا استحلال مخالفة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يعتقد صحته عنه عليه السلام لقول أحد دونه، واعتقد ان هذا جائز فهو كافر مشرك مرتد عن الديانة»
تنبيه: قد ذكر كثير من العلماء والمفسرين أن الآية {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} غير متصلة بالآيات التي قبلها، وأنها نزلت في ذم الصحابي حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في قصة مستقلة لا علاقة لها بالتحاكم أو تحكيم القوانين الوضعية
قال مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (ج1ص386):
«{فلا وربك لا يؤمنون} وذلك أن الزبير بن العوام- رضي الله عنه من بنى أسد ابن عبد العزى، وحاطب بن أبي بلتعة العنسي من مذحج وهو حليف لبنى أسد ابن عبد العزى، اختصما إلى النبي- صلى الله عليه وسلم في الماء وكانت أرض الزبير فوق أرض حاطب، وجاء السيل. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم للزبير: اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك. فغضب حاطب وقال للنبي- صلى الله عليه وسلم: أما إنه ابن عمتك. فتغير وجه النبي- صلى الله عليه وسلم. ومر حاطب على المقداد بن الأسود الكندي، فقال: يا أبا بلتعة لمن كان القضاء، فقال: قضى لابن عمته، ولوي شدقه فأنزل الله- عز وجل فأقسم {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} يعني اختلفوا بينهم يقول لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شيء {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} يقول لا يجدون في قلوبهم شكا مما قضيت أنه الحق {ويسلموا} لقضائك لهم وعليهم {تسليما}»
وعلى كل حال نفي الإيمان المذكور في الآية هو نفي كماله لا أصله
وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (البخاري 13، مسلم 168). وقال صلى الله عليه وسلم: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ". قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: " الذي لا يأمن جاره بوائقه " (البخاري 6016).
قال الإمام الشافعي في «الأم» (ج7ص98):
«فأعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن فرضا عليه وعلى من قبله والناس إذا حكموا أن يحكموا بالعدل، والعدل اتباع حكمه المنزل قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم حين أمره بالحكم بين أهل الكتاب {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ووضع الله نبيه صلى الله عليه وسلم من دينه وأهل دينه موضع الإبانة عن كتاب الله عز وجل معنى ما أراد الله وفرض طاعته فقال {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقال {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} الآية.
وقال {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} الآية.
فعلم أن الحق كتاب الله، ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فليس لمفت ولا لحاكم أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالما بهما ولا أن يخالفهما ولا واحدا منهما بحال فإذا خالفهما فهو عاص لله عز وجل وحكمه مردود»
قال السمعاني في «تفسيره» (ج1ص444):
«قوله تعالى: {فلا ربك لا يؤمنون} قوله: {فلا}: رد لقول المنافقين وعذرهم، ثم ابتداء بقوله: {وربك لا يؤمنون} والمراد به: الإيمان الكامل، أي: لا يكمل إيمانهم، {حتى يحكموك فيما شجر بينهم} أي: اختلف، والاشتجار: الاختلاف، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها على بعض، قال الشاعر:
(هم الحكام أرباب الندي … وسراة الناس إذ الأمر شجر) أي: اختلف، (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت) أي: ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر رضي الله عنه قال لبعض العرب: ما الحرجة عندكم؟ قال: هي شجرة ملتفة، لا يصل الماء إليها.
ومن ذلك قوله - تعالى -: {يجعل صدره ضيقا حرجا} أي: يضيق مسلكه بحيث لا تصل إليه الهداية {ويسلموا تسليما} ومعنى الآية: لا يكمل إيمانهم حتى يرضوا بحكمك، وينقادوا لك، قيل: هذه أبلغ آية في كتاب الله - تعالى - في الوعيد.
واختلفوا في سبب نزول الآية، قال عطاء، ومجاهد: الآية في المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت، وقال عبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير، وجماعة: الآية نزلت في رجل من الأنصار يقال له: حاطب بن أبي بلتعة - وكان من أهل بدر - خاصم الزبير بن العوام في ماء أرض عند النبي، فقال عليه الصلاة والسلام للزبير: اسق أرضك الماء ثم أرسله إلى جارك، وكانت أرض الأنصاري دون أرضه؛ فقال الأنصاري: أن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبي، وقال للزبير: اسق أرضك، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر...»
قرّر السمعاني ابتداءً أن النفي في الآية نفي كمال الإيمان لا أصله، ثم بعد ذلك فقط ذكر الخلاف في سبب نزولها - تحاكم المنافقين وقصة خصومة الزبير وحاطب - فدلّ على أن في الحالين النفي المقصود عنده هو نفي الكمال لا الأصل. غير أنه صرّح في صدر كلامه بأن الآية «رد لقول المنافقين وعذرهم» فظاهر صنيعه ترجيح كونها نازلة في المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت
وكذلك قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (ج7ص37):
«والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك؛ فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى ومن هذا قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية فرض على الناس؛ فمن تركها كان من أهل الوعيد لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب، فإن الله إنما وعد بذلك من فعل ما أمر به وأما من فعل بعض الواجبات وترك بعضها؛ فهو معرض للوعيد.»
وكذلك قال ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم» (ج2ص395) في شرحه لحديث "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به":
«وأما معنى الحديث، فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه.
وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع. قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65].
وقال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36].»
وأما استدلالهم بقصة عمر رضي الله عنه والمنافق
قال الواحدي في «أسباب النزول» (ص162):
«وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل نأتي كعب بن الأشرف - وهو الذي سماه الله تعالى الطاغوت - فأبى اليهودي إلا أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المنافق ذلك أتى معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختصما إليه، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق وقال: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمنا أنا وهذا إلى محمد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه، وزعم أنه مخاصم إليك وتعلق بي فجئت إليك معه، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، فقال لهما: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل عمر البيت وأخذ السيف فاشتمل عليه، ثم خرج إليهما وضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت هذه الآية، وقال جبريل عليه السلام: "إن عمر فرق بين الحق والباطل"، فسمي الفاروق.»
وقال ابن تيمية في «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (ص203):
«وقد تقدم حديث الرجل الذي قتله عمر من غير استتابة حين أبى أن يرضى بحكم النبي صلى الله عليه وسلم»
أولا: القصة ضعيفة أصلا لضعف الكلبي
ولكن الشاهد هنا أن الرجل قتل لعدم رضاه بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لمجرد احتكامه إلى الطاغوت كعب بن الأشرف
وقتل الشخص لا يستلزم تكفيره كما قد بينا سابقًا من كلام ابن رجب، بل قد روى ابن أبي حاتم رواية أخرى لهذه القصة تدل على عكس ذلك في «تفسيره» (ج3ص994):
«الوجه الثاني:
5560 - أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لهيعة عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال: ردنا إلى عمر حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما، فخرج إليهما، مشتملا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، قتل عمر والله صاحبي ولو ما أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمنين، فأنزل الله تعالى فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد فقال: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم إلى قوله: وأشد تثبيتا»
قال الإمام الأعظم محمد بن إدريس الشافعي رضي الله تعالى عنه في «الأم» (ج6ص152) في كتاب الحدود وصفة النفي - باب حد الذميين إذا زنوا:
«فقال لي بعض الناس: فإنك إذا أبيت الحكم بينهم (يعني أهل الذمة) رجعوا إلى حكامهم فحكموا بينهم بغير الحق عندك (قال الشافعي): فقلت له: وأنا إذا أبيت الحكم فحكم حاكمهم بينهم بغير الحق ولم أكن أنا حاكما فما أنا من حكم حكامهم أترى تركي أن أحكم بينهم في درهم لو تظالموا فيه وقد أعلمتك ما جعل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم من الخيار في الحكم بينهم أو الترك لهم وما أوجدتك من الدلائل على أن الخيار ثابت بأن لم يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من جاء بعده من أئمة الهدى أو ترى تركي الحكم بينهم أعظم أم تركهم على الشرك بالله تبارك وتعالى؟ فإن قلت فقد أذن الله عز وجل بأخذ الجزية منهم وقد علم أنهم مقيمون على الشرك به معونة لأهل دينه فإقرارهم على ما هو أقل من الشرك أحرى أن لا يعرض في نفسك منه شيء إذا أقررناهم على أعظم الأمور فأصغرها أقل من أعظمها (قال الشافعي): فقال لي قائل فإن امتنعوا أن يأتوا حكامهم قلت أخيرهم بين أن يرجعوا إليهم أو يفسخوا الذمة، قال فإذا خيرتهم فرجعوا وأنت تعلم أنهم يحكمون بينهم بالباطل عندك فأراك قد شركتهم في حكمهم (قال الشافعي): فقلت له لست شريكهم في حكمهم وإنما وفيت لهم بذمتهم، وذمتهم أن يأمنوا في بلاد المسلمين لا يجبرون على غير دينهم ولم يزالوا يتحاكمون إلى حكامهم برضاهم فإذا امتنعوا من حكامهم قلت لهم لم تعطوا الأمان على الامتناع والظلم فاختاروا أن تفسخوا الذمة أو ترجعوا إلى من لم يزل يعلم أنه كان يحكم بينكم منذ كنتم فإن اختاروا فسخ الذمة فسخناها وإن لم يفعلوا ورجعوا إلى حكامهم فكذلك لم يزالوا لا يمنعهم منه إمام قبلنا ورجوعهم إليهم شيء رضوا به لم نشركهم نحن فيه (قال الشافعي): ولو رددناهم إلى حكامهم لم يكن ردنا لهم مما يشركهم ولكنه منع لهم من الامتناع»
الشاهد: المعارض يزعم أن الواجب على الحاكم المسلم أن يحكم بين أهل الذمة، وإلا فإنهم «يتحاكمون إلى حكامهم» الذين يحكمون «بغير الحق». فيرد عليه الشافعي بأننا قد تركناهم على الشرك، فتركهم على ما هو «أقل من الشرك» أولى
ولو كان التحاكم إلى الطاغوت عبادة له - كما تزعم الخوارج - لبقي وصف الشرك لازمًا في جميع الأحوال، سواء كان المتحاكم مسلمًا أو ذميًا
قال البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص44):
«ولقد اختصم يهودي ومسلم إلى بعض معطليهم فقضى باليمين على المسلم، فقال اليهودي حلفه بالخالق لا بالمخلوق، فإن هذا في القرآن، وزعمت أن القرآن مخلوق فحلفه بالخالق، فبهت الآخر، وقال: قوما حتى أنظر في أمركما، وخسر هنالك المبطلون»
وقال اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (ج2ص236):
«أخبرنا الحسين بن أحمد بن إبراهيم الطبري قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد الميلي قال: حدثنا محمد بن يحيى بن آدم قال: حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن طريف قال: حدثنا أبو حاتم يحيى بن زكريا الأموي قال: حدثنا محمد بن إدريس الشافعي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: اختصم رجلان مسلم ويهودي إلى عيسى بن أبان وكان قاضي البصرة، وكان يرى رأي القوم، فصارت اليمين على المسلم ، فقال له اليهودي: حلفه. فقال: احلف بالله الذي لا إله إلا هو. قال اليهودي للقاضي: إنك تزعم أن القرآن مخلوق، والله الذي لا إله إلا هو في القرآن ، فحلفه لي بالخالق لا بالمخلوق. فتحير عيسى عنده وقال: قوما حتى أنظر في أمركما»
قال الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (ج5ص198):
«حدثنا أحمد، نا الحسن بن علي الربعي، حدثني قحطبة بن حميد بن الحسن بن قحطبة؛ قال: كنت واقفا على رأس المأمون عبد الله أمير المؤمنين يوما وقد قعد إلى المظالم، فأطال الجلوس حتى زالت الشمس؛ فإذا امرأة قد أقبلت تعثر في ذيلها حتى وقفت على طرف البساط. فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. فنظر المأمون إلى يحيى بن أكثم، فأقبل يحيى عليها، فقال: تكلمي. فقالت: يا أمير المؤمنين! قد حيل بيني وبين ضيعتي، وليس لي ناصر إلا الله تبارك وتعالى. فقال لها يحيى بن أكثم: إن الوقت قد فات، ولكن عودي يوم المجلس. قال: فرجعت، فلما كان يوم المجلس؛ قال المأمون: أول من تدعى المرأة المظلومة. فدعي بها، فقال لها: أين خصمك؟ قالت: واقف على رأسك يا أمير المؤمنين! قد حيل بيني وبينه، وأومأت إلى العباس ابنه. فقال لأحمد بن أبي خالد: خذ بيده وأقعده معها. ففعل، فتناظرا ساعة حتى علا صوتها عليه، فقال لها أحمد بن أبي خالد: أيتها المرأة! إنك تناظرين الأمير أعزه الله بحضرة أمير المؤمنين أطال الله بقاءه؛ فاخفضي عليك. فقال المأمون: دعها يا أحمد! فإن الحق أنطقها والباطل أخرسه. فلم تزل تناظره حتى حكم لها المأمون عليه، وأمره برد ضيعتها، وأمر ابن أبي خالد أن يدفع إليها عشرة آلاف درهم.»
جاء في «سيرة ابن هشام» (ج2ص167):
«...وكان قد خرج معه علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب، وكنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما مات اختصما في ميراثه إلى قيصر، صاحب الروم. فقال قيصر: يرث أهل المدر أهل المدر، ويرث أهل الوبر أهل الوبر، فورثه كنانة بن عبد ياليل بالمدر دون علقمة»
قال البلاذري في «أنساب الأشراف» (ج1ص334):
«فتخاصم في ميراثه كنانة بن عبد ياليل الثقفي - وكان ممن حسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشخص إلى الشام - وعلقمة بن علاثة وكان بالشام أيضا وكان مسلما، ويقال: بل كان مشركا ثم إنه أسلم حين قدم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعه.
حدثني عباس بن هشام، عن أبيه، عن جده إنه حكم بميراث أبي عامر لكنانة بن عبد ياليل لأنه من أهل المدر، وحرمه علقمة لأنه بدوي، وكان الحاكم بذلك صاحب الروم بدمشق»
قال ابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (ج2ص205):
«وأما أبو عامر فخرج إلى مكة، ثم قدم مع قريش يوم أحد محاربا، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الفاسق، فلما فتحت مكة لحق بهرقل هاربا إلى الروم، فمات كافرا عند هرقل، وكان معه هناك كنانة بن عبد ياليل، وعلقمة بن علاثة، فاختصما في ميراثه إلى هرقل، فدفعه إلى كنانة بن عبد ياليل، وقال لعلقمة: هما من أهل المدر، وأنت من أهل الوبر.»
وقال ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (ج41ص141):
«علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوازن العامري الكلابي من المؤلفة قلوبهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم دمشق يطلب ميراث أبي عامر عند عمرو بن صيفي بن النعمان الأوسي المعروف بالراهب وكان أبو عامر قد هرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دمشق فتحاكم علقمة وكنانة بن عبد ياليل فحكم به صاحب الروم بدمشق لكنانة لأنه من أهل المدر ولم يحكم به لعلقمة لأنه من أهل الوبر كذلك ذكر البلاذري وذكر هشام بن الكلبي عن جعفر بن كلاب الكلابي أن عمر بن الخطاب ولى علقمة بن علاثة حوران وجعل ولايته من قبل معاوية بن أبي سفيان فمات بها...»
وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج7ص142):
«علقمة بن علاثة ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي، أسلم عام الفتح وشهد حنينا وأعطى يومئذ مائة من الإبل تأليفا لقلبه، وكان يكون بتهامة وكان شريفا مطاعا في قومه، وقد ارتد أيام الصديق فبعث إليه سرية فانهزم ثم أسلم وحسن إسلامه، ووفد على عمر في خلافته، وقدم دمشق في طلب ميراث له ثمّ، ويقال استعمله عمر على حوران فمات بها»
وعلقمة بن علاثة رضي الله عنه صحابي ولم يكفره أحد بسبب احتكامه إلى طاغوت الروم
قال أبو داود الطيالسي في «مسنده» (ج3ص678):
«حدثنا أبو داود، قال: حدثنا قيس بن الربيع، وسلام بن سليم، عن سعيد بن مسروق، عن عبد الرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد، أن عليا بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذهبة في تربتها، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بين أربعة، بين عيينة بن حصن الفزاري، وعلقمة بن علاثة الكلابي، والأقرع بن حابس الحنظلي...»
وذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (ج5ص499)
وذكره ابن سعد في «الطبقات الكبرى - متمم الصحابة - الطبقة الرابعة» (ج2ص586)
«وأما قول أبي حنيفة وما وافقه فيه مالك: فقد ذكرنا إبطاله، وما في الشنعة أعظم من تحكيم الكفر واليهود والنصارى على مسلم؟ إن هذا لعجب؟ وما عهدنا قولهم في حكم بين مسلم وذمي إلا أنه يحكم فيه ولا بد بحكم الإسلام إلا هاهنا، فإنهم أوجبوا أن يحكم على المسلم بحكم الشيطان في دين اليهود والنصارى، لا سيما إن أسلم الورثة كلهم، فلعمري إن اقتسامهم ميراثهم بقول "دكريز القوطي" "وهلال اليهودي" لعجب، نعوذ بالله منه»
«[ميراث المسلم والنصراني]
في ميراث المسلم والنصراني قلت: أرأيت إن مات رجل من المسلمين وبعض ورثته نصارى فأسلموا قبل قسم الميراث أو كان جميع ورثته نصارى فأسلموا بعد موته قبل أن يؤخذ ماله.
قال: قال مالك: إنما يجب الميراث لمن كان مسلما يوم مات، ومن أسلم بعد موته فلا حق له في الميراث.
قال: فقيل لمالك: فإن مات نصراني وورثته نصارى فأسلموا قبل أن يقسم ماله علام يقتسمون، أعلى وراثة الإسلام أم على وراثة النصارى؟
قال: بل على وراثة النصارى التي وجبت لهم يوم مات صاحبهم»
«ومحال أن يكونوا جماعة مؤمنين كلهم يقتسمون ميراثهم على شريعة الطاغوت ومنهاج الكفر. وهذا قول ابن شهاب، وجماعة أهل الحجاز، وجمهور أهل العلم والحديث. وكل من قال بهذا الحديث لم يفرق بين الكتابيين وغيرهم إلا ما ذكرنا»
«وروى ابن وهب، قال: قلت لمالك: النصراني يموت وله ولد نصارى، فيسلم بعض ولده بعد موته قبل قسم الميراث. فقال: من أسلم منهم ومن لم يسلم على حال واحدة في قسمتهم يوم مات أبوهم؛ إن كان للذكر في قسمتهم مثل حظ الأنثى، لم يكن لمن أسلم إلا ذلك، إنما يقسمون على قسم النصرانية، وإن كان قد أسلم بعضهم فلا يقسم لمن أسلم منهم إلا ما وجب له قبل أن يسلم يوم مات أبوه.»
«وقال النبي عليه السلام: كل ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وكل ميراث أدركه الإسلام ولم يقسم فهو على قسم الإسلام
قال مالك: معناه في غير الكتابين: من مجوس وزنج وغيرهم، وأما لو مات نصرانياً ثم أسلم وارثه قبل أن يقسم ماله فإن يقسم على قسم النصارى وإن مات مسلم وله ورثة نصارى فأسلم وارثه له قبل أن يقسم ماله فلا يرثه وإنما يرثه من كان مسلماً يوم مات.
وقال ابن نافع وغيره من كبار أهل المدينة: الحديث عام في الكتابيين وغيرهم من أهل الكفر.»
«في الكافر يسلم بعض ولده بعد موته، ومن أسلم ثم مات عن أولاد صغار ولدوا في نصرانيته وآخرون بعد إسلامه
من العتبية قال سحنون عن ابن القاسم في مجوسي مات ثم أسلم ولده قبل أن يقسم ماله، أو كان نصرانيا فأسلم ولده أو بعضهم أعلى قسم الكفر يقتسمون أم على قسم الإسلام؟ قال بل علي قسم الكفار، وإنما يقسم على قسم الإسلام أن لو كان الأب مجوسيا ليس بذي ذمة فأما إن كان مجوسيا من أهل الذمة فالقول فيه مثل ما قلنا في أهل الكتاب.»
«[مسألة: المجوسي إذا أسلم ولده قبل أن يقسم ماله]
مسألة قال: وسئل ابن القاسم: عن المجوسي إذا أسلم ولده قبل أن يقسم ماله أو النصراني فيموت فلا يقسم ماله حتى أسلم ولده أو بعضهم كيف يقتسمون؟ أقسم الإسلام أو الشرك؟
قال: قسم الشرك، وإنما ذلك في المجوس الذين ليسوا بأهل ذمة، فإن أسلم أولاد أولئك قبل أن يقتسموا الميراث قسم على قسم الشرك، ثم قال: ألا ترى إلى الحديث سنوا بهم سنة أهل الكتاب؟ إنما ذلك في المجوس من أهل الذمة.
قال محمد بن رشد: قوله: وإنما ذلك في المجوس - إشارة منه إلى الحديث الذي جاء أيما دار قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية، وأيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام، يقول: إنما الحديث في المجوس الذين لا ذمة لهم هم الذين تقسم مواريثهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، وأما المجوس الذين لهم ذمة فتقسم مواريثهم وإن أسلموا قبل قسمتها على دينهم كاليهود والنصارى من أهل الذمة، وذلك خلاف مذهبه في المدونة في أن الحديث إنما هو في المجوس كانت لهم ذمة أو لم تكن، تقسم مواريثهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، وروى أشهب عن مالك وهو قول ابن نافع وغيره من كبار أهل المذهب أن الحديث على عمومه في المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، كانت لهم ذمة أو لم تكن، تقسم مواريث جميعهم إذا أدركها الإسلام قبل القسم على قسم الإسلام، قيل إذا أسلموا كلهم، وأما إن أسلم بعضهم فيقسم بينهم على قسم دينهم، وقد وقف مالك في رواية أشهب عنه إذا أسلم بعضهم فقال لا أدري، وقيل: سواء أسلموا كلهم أو بعضهم يقسم بينهم على قسم الإسلام، وهو قول عمر بن عبد العزيز في المدونة على ما جاء عنه من أن ناسا مسلمين ونصارى جاءوه من أهل الشام في ميراث بينهم فقسم بينهم على فرائض الإسلام.
ولكلا القولين وجه، فوجه القول الأول: أن حق من لم يسلم منهم لا ينتقل بإسلام من أسلم منهم، ووجه القول الثاني: اتباع ظاهر قوله في الحديث أدركها الإسلام إذ لم يفرق فيه بين أن يسلموا كلهم أو بعضهم، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال، تتفرع إلى ستة على ما بيناه، وبالله التوفيق.»
«وإذا تحاكم إلينا ورثة كافر وتراضوا كلهم حكمنا لهم بحكم الإسلام، فإن أبى بعضهم لم يعرض لهم إلا أن يكون فيهم من أسلم، فقال ابن القاسم: يحكم لهم بحكمهم على مواريثهم إذا كانوا كتابيين وإلا فبحكم الإسلام»
«في اختلاف ورثة الكافر في ميراثهِ، وكيف إن أسلموا
ولا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكونوا جميعهم على الكُفر.
والثانى: أن يُسلم بعضهم قبل القسمة.
والثالث: أن يُسلموا جميعًا.
فالجواب عن الوجه الأول: إذا كانوا كُلُّهم على الكُفر، فاختلفوا في الميراث، أيرتفعون إلى حُكم المسلمين، فإنَّهُ بالخيار بين الحكم والترك.
فإن حكم بينهم حكمًا بما ثبت عندهُ مِن مواريثهم، بعد كشفهِ عن ذلك، وبحثهِ عن كتابة توارثهم.
والجواب عن الوجه الثاني: إذا أسلم بعضهم قبل القسمة، فإنَّهُ يحكم بينهم، ولا يرد إلى حُكم النصارى، ولا خيار لهُ في هذا الوجه، لأنَّهُ حكمٌ بين مسلم ونصراني، ولا ينقلهم عن مواريثهم، وإنَّما يمنعون مِن أن يُردُّوا إلى حكم النصارى، لما في ذلك مِن إذلال المُسلم، ولأنَّهم لا يُؤمنون مِن الحَيْفِ والميل عليهِ، وقد وقع في روايات مختلفة، كُلُّها راجعة إلى معنى واحد.
قال في بعضها: وإن كان الورثة مُسلمين ونصارى: حكم بينهم بحُكمِ الإسلام، ولم أنقلهم عن مواريثهم، ولا أردُّهم إلى أهل دينهم، وهي رواية ابن عتاب.
ومعنى قول: "حُكم بينهم بحكم دينهم" أي: فيهم وإن بقوا على مواريثهم في الكفر، وهو قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في مسلمين ونصارى حاما إليهِ في ميراث، فقال: "تُقسَّم بينهم على فرائض الإِسلام، فإن أبوّا، فردُّوهم إلى أهل دينهم"، كذا في رواية عيسى عن ابن المرابط، وعند ابن عتاب: "إلى أمر دينهم"، وهذه أصحُّ، أي: "أُقسم بينهم على ورثة الكفر"، ومعناهُ: أنَّ بعضهم أسلم بعد الموت، فيُقسَّم ميراثهُ على ورثة الكفر.
ومعنى قولهُ: "إلى أهل دينهم" أي: إلى أمر دينهم، كما قال في الرواية الأولى.
فإذا حُمل على هذا التأويل: يكون وفاقًا للمذهب، ويحتمل أنه أراد أن يحكم أولًا أنه لا ميراث للمسلمين معهم ثم يرد الباقون من النصارى إلى أهل دينهم لكونهم أسلموا قبل موت أبيهم ويكون قوله وفاقًا للمذهب أيضًا.
والجواب عن الوجه الثالث: إذا أسلموا جميعًا قبل قسمة التركة، هل تُقسَّمُ بينهم على قسمة الإِسلام أو على قسمة النصارى؟ فالمذهب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنَّهُ يُقسَّم بينهم على قسمة المسلمين، وهي رواية أشهب عن مالك، وهو قول ابن نافع في "المُدوَّنة"، وهو قول مُطرف وابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب".
والثالث: التفصيل بين أهل الكتاب وغيرهم، فأهل الكتاب يُقسَّمون على قسم النصارى إذا أسلموا، والمجوس يُقسمون على قسم الإِسلام إذا أسلموا، وهو قول مالك في المُدوَّنة وبهِ أخذ ابن القاسم.»
«باب في النصراني يموت ويختلف ورثته فى ميراثه أو يسلمون أو يسلم بعضهم قبل أن يقسم ميراثه
وقال مالك في النصراني يموت عن ورثة نصارى فيختلفون في ميراثهم ويرتفعون إلى حاكم المسلمين: إنه بالخيار بين الحكم أو الترك، وإن حكم بينهم حكم بحكم المسلمين.
يريد: إذا بين لهم أنه إنما يحكم بينهم بمنزلة ما لو كانوا مسلمين، فإن رضوا بعد البيان أن يحكم بينهم بذلك حكم بينهم، وإلا تركهم.
قال: فإن أسلم بعضهم حكم بينهم ولم يردوا إلى حكم النصارى، قال: ولم ينقلوا عن مواريثهم، وإن أسلم جميعهم ثم اختلفوا حكم بينهم أيضا.
واختلف قوله: هل يحملهم على مواريث النصارى أو مواريث المسلمين، ففرق في الجواب في المسائل الثلاث:
فجعله بالخيار إذا كان جميعهم على الكفرة لقول الله سبحانه: {فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}. [المائدة: 42]. ولم يحكم بينهم بحكمهم لإخبار الله عز وجل أنهم بذلوا ما أنزل الله سبحانه، ولأن ذلك منسوخ بشرعنا وقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بما علم أنه لم يبدل.
وإذا أسلم بعضهم لم يكن له خيار، وأجراهم على حكم مواريث النصارى؛ لأنه لا يحسن أن يحكم كافر في مسلم، لما في ذلك من الإذلال له، ولأنه لا يؤمن أن يميلوا أو يحيفوا عليه -لمفارقته لدينهم- إلى من هو على دينهم، فكان على حاكم المسلمين أن يكشف عن مواريثهم فيحملهم عليها، وكذلك إذا أسلم جميعهم على القول أنهم يتوارثون وراثة النصارى وأنه يحكم بينهم بذلك، ولا يردون إلى حكم النصارى؛ لأنه إذلال لهم.
وإن اختلفوا كيف المواريث عندهم كشف عن ذلك حتى يتبين له ثم يحكم.
وقد اختلف إذا أسلم جميعهم قبل أن تقسم مواريثهم على ثلاثة أقوال: فقال مالك يقتسمون على قسم النصارى، وقال معنى الحديث "أيما دار أدركها الإسلام ولم تقسم فهي على قسم الإسلام" في غير أهل الكتاب مثل المجوس والزنج، وأما النصارى فهم على مواريثهم، وبه أخذ ابن القاسم.
وروى أشهب عنه: أنهم يقسمون قسم أهل الإسلام إذا أسلم جميعهم، قيل له: فإن أسلم بعضهم؟ قال لا أدري.»
«(إن لم يكونوا كتابيين وإلا) بأن كانوا كتابيين وأسلم بعضهم بعد موت مورثه (فبحكمهم) أي نحكم بينهم بحكم مواريثهم أي يقسم المال بينهم على حكم مواريث أهل الكتاب بأن نسأل أساقفتهم عمن يرث عندهم ومن لا يرث وعن مقدار ما يرث ونحكم بينهم بذلك إلا أن يرضوا جميعًا بحكمنا وأما لو أسلم جميعهم قبل قسم مال مورثهم الكافر وأبوا من حكم الإِسلام فذكر الرجراجي في هذا ثلاثة أقوال الراجح منها أنهم إن كانوا أهل كتاب حكم بينهم بحكم أهل الكتاب وإلا فبحكمنا»
«وأما لو كان الذين أسلم بعضهم بعد موت مورثهم كتابيين، فإنا نحكم بينهم بحكم مواريثهم أي نقسم المال بينهم على حكم مواريث أهل الكتاب بأن نسأل أساقفهم عمن يرث عندهم ومن لا يرث وعن مقدار ما يورث ويحكم بينهم بذلك إلا أن يرضى أهل الكتاب بحكمنا، وأما لو أسلم جميعهم قبل القسم وأبوا من حكم الإسلام فذكر الرجراجي في هذا أقوالا الراجح منها إن كانوا من أهل الكتاب حكم بينهم بحكم أهل الكتاب، وإلا فبحكمنا»
وقال محمد بن الحسن الشيباني كما في «شرح السير الكبير» (ص1385):
«ولو استودع مسلم مسلما شيئا وأذن له إن غاب أن يخرجه معه فارتد المودع ولحق بدار الحرب، فلحقه صاحبه وطلبه منه فمنعه، واختصما فيه إلى سلطان تلك البلاد، فقصر يد المسلم عنه، ثم أسلم أهل الدار فالوديعة للمودع لا سبيل لصاحبها عليها.»
وقال في «شرح السير الكبير» (ص1386):
«ولو أن رجلين أسلما في دار الحرب، ثم غصب أحدهما صاحبه شيئا، وجحده، فاختصما إلى سلطان تلك البلاد، فسلمه للغاصب لكونه في يده، ثم أسلم أهل الدار، والرجلان مسلمان على حالهما، فالمغصوب مردود على المغصوب منه.»
وقال في «شرح السير الكبير» (ص1743):
«قال: ولو دخل مسلم دار الحرب بأمان فغصبه حربي مالا ثم أسلموا، أو صاروا ذمة، فإن كان من حكم ملكهم أن الغصب سبب التملك سواء كان المغصوب منه مستأمنا، أو مسلما أو حربيا فلا سبيل للمسلم على متاعه وإن كان من حكم ملكهم رد ذلك المال على صاحبه فلم يختصما حتى أسلم أهل الدار رد ذلك على المستأمن. وإن لم يعلم كيف كان حكمهم في ذلك فالمال مردود على المسلم المستأمن فإن اختصما إلى ملكهم فجحد الغاصب وقال: هذا ملكي، ما أخذته منه، فأقره ملكهم في يده، حتى يأتي المسلم بحجة، ثم أسلموا، فذلك سالم للغاصب. وإن أقام المسلم البينة، فأخذه حاكمهم من الغاصب، ودفعه إليه، كان له، ولا خمس فيه.»
وقال عبد الله محمد عبد الله (معاصر) في «مجلة مجمع الفقه الإسلامي» (ج9ص1813):
«ويذكر في المسألة 2677 – وإن كان حين طلبه في دار الحرب من الغاصب أعطاه إياه ثم وثب فأخذ منه ثانية وقصر السلطان يد المغصوب معه عن الاسترداد ثم أسلم أهل الدار فهو سالم للغاصب.
ويظهر من هذه المسائل أن المسلم لما لم يمنع من رفع خصومته إلى السلطان الكافر في بلاد الكفر فدل على جواز ذلك، وعندي أن المسألة لها وجه آخر وهي تدخل في باب الاستعانة بالكافر على تحصيل الحق ورفع الظلم سواء في ذلك الفرد والدولة وسيأتي ذلك مفصلًا في المبحث المخصص لاحتكام المسلمين إلى المحكمة الدولية.»
وجاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن (ج11ص191):
«وقال أبو حنيفة: إن حكّما بينهما محدوداً في قذف أو أعمى أو صبياً أو عبداً مسلماً فإن حكمه لا يجوز فيما بينهم وإن كان موافقاً لرأي القاضي؛ لأن شهادة هؤلاء لا تقبل على شيء. وكذلك قال في الذمي يحكم بين المسلمين، فإن ذلك لا يجوز. وإن حكم بين أهل الذمة فهو جائز على ما وصفت لك»
وجاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن (ج11ص196):
«وإذا اصطلح رجلان على حكم يحكم بينهما وهو أبو أحدهما أو ابنه أو جده أو أحد ممن لا تجوز شهادته له أو أبوهما جميعاً فإن ذلك لا يجوز. فإن قضى بينهما لم ينفذ قضاؤه. فإن كان قضى على ابنه للغريب منهما فهو جائز. وكذلك الذمي والمسلم يختصمان فيحكّمان بينهما ذمياً، فإن حكم على المسلم لم يجز، وإن حكم على الذمي جاز. وكذلك المرأتان تختصمان فتحكّمان زوج إحداهما، فإن قضى لامرأته فهو باطل، وإن قضى عليها فهو جائز.»
وجاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن (ج11ص203):
«ولو أن ذمياً حكم بين مسلمين حكماً ورضيا به بعد حكمه فإنه لا يجوز. وإن رضي المقضي عليه أن يلزم ذلك المال بعينه وأقر به على نفسه لزمه ذلك بإقراره، ولم يلزمه بحكم الذمي، لأن حكم الذمي لا يجوز على حال وإن تراضيا به، لأنه لا شهادة له، وإنما يجوز حكم من تجوز شهادته. ولو كانت داراً فقضى بها بينهما نصفين فأجازا ذلك وأقرا به جاز ذلك عليهما، لأنه صلح بينهما مستقبل، وليس يجوز ذلك بحكم الذمي»
وجاء في «المحيط البرهاني في الفقه النعماني» (ج8ص15):
«وفي نوادر هشام: عن محمد في قاضٍ أو والٍ ارتد عن الإسلام والعياذ بالله، أو عمي، أو فسق، ثم مات أو أبصر أو أسلم، فهو على عمله، وهكذا روى داوود بن رشيد عن محمد رحمه الله، وفي رواية هشام زيادة وهي وإن كان قضى بقضاء في حال فسقه، ثم صلح أبطلته، قال هشام: قلت لمحمد (الشيباني): والي من ولاة المسلمين ولى قاضياً مشركاً يقضي بين المسلمين ثم أسلم، قال: هو قاض على حاله ولا يحتاج إلي توليه ثانية.
وروى هشام عن محمد: النصراني إذا استقضي ثم أسلم لم يجز حكمه.»
«ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون: قال سحنون: وإذا حكم الخصمان رجلين، فحكم أحدهما، ولم يحكم الآخر، فإن ذلك لا يجوز، ولو حكما مسخوطا، أو امرأة، أو مكائبا، أو عبدا، أو كافرا، فحكم بينهما، فحكمه باطل، وكذلك قال ابن الماجشون في المجموعة. وقال: أو مولي عليه. قال: ولمن شاء منهما رجع؛ لأنهما تخاطرا حين حكما من لا يرضى نظره لنفسه.
قال أشهب في كتاب ابن سحنون، في الرجلين يحكمان بينهما امرأة، فتحكم، قال: حكمها ماض إذا كان مما يختلف فيه الناس.
قال أشهب: وكذلك العبد والحر والمسخوط مثل ذلك أيضا، فأما الصبي، والنصراني، والمعتوه، والموسوس، فلا يجوز حكمه وإن أصابوا الحكم. قال أصبغ: وذلك كله رأيي.
قل سحنون: لا أعرف هذا، ولا يجوز تحكيم من ذكر من عبد، أو أمرأة ونحوها. قال سحنون: ولو حكما بينهما امرأة، أو رجلا غير عدل، أو عبدا، أو مكاتبا، أو ذميا، فحكم بينهما، فذلك باطل لا يجوز. ولو حكما بينهما رجلين، فحكم أحدهما دون الآخر، لم يجز ذلك حتى يحكما جميعا.
قال ابن حبيب: قال مطرف، وابن الماجشون: وإذا رضيا بحكم صبي، أو مسخوط، أو نصراني، فحكم بينهما بصواب، فلا يلزم ذلك واحدا منهما.»
«وإذا حكم الخصمان عبدًا أو امرأة أو مسخوطًا وكافرًا أو معتوهًا أو صبيًا أو موسوسًا لم ينفذ حكمه. وقال أشهب: إذا كان حكم العبد أو المرأة أو الحر المسخوط مما يختلف فيه الناس فهو ماض.»
«مسألة: وإذا حكم الخصمان عبدا أو امرأة أو مسخوطا أو صبيا أو معتوها أو موسوسا أو كافرا أو مجنونا فإن أحكام المجنون والموسوس والكافر لا تلزم بلا خلاف، واختلف فيمن عداهم، قال أصبغ: ورب غلام لم يبلغ له علم بالقضاء. قال المازري: وفي المذهب في ذلك أربعة أقوال: الجواز في الجميع، والمنع في الجميع، والجواز إلا في المسخوط والصبي»
«ما ذكره من تنفيذ أحكام الفاسق أو الجاهل إذا ولاه السلطان للضرورة كما ينفذ قضاء أهل البغي للحاجة، فهو خلاف ما قاله غيره، فإن المنقول في "تعليق" القاضي حسين وغيره أنه لا تنفذ أحكامه، وإن ولاه الإمام، وما احتجّ به من قضاء أهل البغي ففي "التهذيب" وغيره أنهم إذا ولوا قاضياً غير عدل لم تنفذ أحكامه، نعم ما ذكره يوجّه بإجماع الأمة على تنفيذ أحكام الخلفاء الظلمة، وأحكام من ولّوا، غير أنه يورد عليه ما إذا ولى السلطان قاضيا كافرا، فإنه لا تنفذ أحكامه مع وجود الضرورة، وإن ارتكب وطرد فقد أبعد، والله أعلم.»
«(ولا يجوز أن يلي القضاء إلا من استكملت فيه خمس عشرة خصلة الاسلام والبلوغ والعقل والحرية والعدالة والذكورة)
من لا يصلح للقضاء تحرم توليته ويحرم عليه أن يتولى ويحرم عليه أن يطلبه للخبر المتقدم فمن الصفات المعتبرة للإسلام فلا تجوز تولية القضاء للكافر لا على المسلمين ولا على غيرهم لأنه ولاية السبيل وهو ليس أهل لذلك»
«فأما أهل البدع الموافقون لأهل الإسلام، ولكنهم مخالفون في بعض الأصول - كالرافضة والقدرية والجهمية وغلاة المرجئة ونحوهم.
فهؤلاء أقسام:
أحدها: الجاهل المقلد الذي لا بصيرة له، فهذا لا يكفر ولا يفسق، ولا ترد شهادته، إذا لم يكن قادرا على تعلم الهدى، وحكمه حكم المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم، وكان الله عفوا غفورا.
القسم الثاني: المتمكن من السؤال وطلب الهداية، ومعرفة الحق، ولكن يترك ذلك اشتغالا بدنياه ورياسته، ولذته ومعاشه وغير ذلك، فهذا مفرط مستحق للوعيد، آثم بترك ما وجب عليه من تقوى الله بحسب استطاعته، فهذا حكمه حكم أمثاله من تاركي بعض الواجبات، فإن غلب ما فيه من البدعة والهوى على ما فيه من السنة والهدى: ردت شهادته، وإن غلب ما فيه من السنة والهدى: قبلت شهادته.
القسم الثالث: أن يسأل ويطلب، ويتبين له الهدى، ويتركه تقليدا وتعصبا، أو بغضا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته: أن يكون فاسقا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنا داعية: ردت شهادته وفتاويه وأحكامه، مع القدرة على ذلك، ولم تقبل له شهادة، ولا فتوى ولا حكم، إلا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم، وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي رد شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فساد كثير، ولا يمكن ذلك، فتقبل للضرورة.»
«وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس ولا تقليد إمام ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب ولا استحسان ولا معقول ولا شريعة الديوان ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المسلمين أضر منها، فكل هذه طواغيت، من تحاكم إليها أو دعا منازعه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت»
«قد أتينا على ذكر فصول نافعة وأصول جامعة في تقرير القياس والاحتجاج به لعلك لا تظفر بها في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منها، فلنذكر مع ذلك ما قابلها من النصوص والأدلة الدالة على ذم القياس، وأنه ليس من الدين، وحصول الاستغناء عنه والاكتفاء بالوحيين، وها نحن نسوقها مفصلة مبينة بحمد الله.
ولا يقال: الرد إلى القياس هو من الرد إلى الله ورسوله، لدلالة كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام كما تقدم تقريره؛ لأن الله - سبحانه - إنما ردنا إلى كتابه وسنة رسوله ولم يردنا إلى قياس عقولنا وآرائنا قط...
«وقال تعالى {يا أيها لذين آمنوا أطيعوا لله وأطيعوا لرسول وأولي لأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى لله ولرسول إن كنتم تؤمنون بلله وليوم لآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} فلم يبح الله تعالى عند التنازع والاختلاف أن يتحاكم أو يرد إلا إلى القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فقط لا إلى أحد دون النبي صلى الله عليه وسلم ولا إلى رأي ولا قياس فبطل كل هذا بطلانا متيقنا والحمد لله رب العالمين على توفيقه هذا مع شدة شرط»
«قال الله عز وجل: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] وهذا الذي لم يحكم بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شجر عنده فيما بين الناس إلا حتى وافقه قياس أو رأي أو قول قائل فلم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم ولا سلم له تسليما، بل وجد في نفسه حرجا مما قضى به عليه الصلاة والسلام فوربنا ما آمن»
«ومن ذلك قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}
أقسم - سبحانه - بنفسه المقدسة، قسما مؤكدا بالنفي قبله؛ على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول، والفروع، وأحكام الشرع، وأحكام المعاد، ومسائل الصفات وغيرها.»
«لأنه لا يحسن أن يُحَكَّمَ كافر في مسلم، لما في ذلك من الإذلال له، ولأنه لا يؤمن أن يميلوا أو يحيفوا عليه...»
«وإنَّما يمنعون مِن أن يُردُّوا إلى حكم النصارى، لما في ذلك مِن إذلال المُسلم، ولأنَّهم لا يُؤمنون مِن الحَيْفِ والميل عليهِ...»
«(الرابع): من اعتقد أن غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه، فهو كافر»
جاء في «الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (ج10ص251):
«وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله...
وسئل: هل يجوز التحاكم إلى غير كتاب الله؟
فأجاب: لا يجوز ذلك، ومن اعتقد حله فقد كفر، وهو من أعظم المنكرات، ويجب على كل مسلم الإنكار على من فعل ذلك؛ ولا يستريب في هذا من له أدنى علم.»
قال عبد اللطيف آل الشيخ في «منهاج التأسيس» (ص71):
«وإنما يحرم التحكيم إذا كان المستند إلى شريعة باطلة تخالف الكتاب والسنة، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم، وكذلك سوالف البادية وعاداتهم الجارية. فمن استحل الحكم بهذا في الدماء أو غيرها فهو كافر. قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: من الآية 44]، وهذه الآية ذكر فيها بعض المفسرين: أن الكفر المراد هنا كفر دون الكفر الأكبر، لأنهم فهموا أنها تتناول من حكم بغير ما أنزل الله، وهو غير مستحل لذلك، لكنهم يتنازعون في عمومها للمستحل، وأن كفره مخرج عن الملة.
إذا عرفت هذا عرفت وجه قول أمير المؤمنين في مقالة الخوارج: لا حكم إلا الله "إنها كلمة حق أريد بها الباطل" وأما قول المسلم الحنيفي: لا يعبد إلا الله، فهي كلمة حق أريد بها حق»
«وقد أظهر الفارسيان المذكوران، التوبة والندم، وزعما أن الحق ظهر لهما، ثم لحقا بالساحل، وعادا إلى تلك المقالة، وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين، بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور.
وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك بالله والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي، ونحوهم من الجفاة، لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله، وأوتي الحكمة وفصل الخطاب.
والكلام في هذا يتوقف على معرفة ما قدمناه، ومعرفة أصول عامة كلية، لا يجوز الكلام في هذا الباب، وفي غيره، لمن جهلها، وأعرض عنها وعن تفاصيلها، فإن الإجمال والإطلاق، وعدم العلم، بمعرفة مواقع الخطاب، وتفاصيله، يحصل به من اللبس، والخطأ، وعدم الفقه عن الله، ما يفسد الأديان، ويشتت الأذهان، ويحول بينها، وبين فهم السنة والقرآن، قال ابن القيم في كافيته، رحمه الله تعالى:
فعليك بالتفصيل والتبيين فال … إطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبطاال … أذهان والآراء كل زمان
وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين، الخارجين على علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، ومن معه من الصحابة، فإنهم أنكروا عليه تحكيم أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، في الفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية وأهل الشام، فأنكرت الخوارج عليه ذلك، وهم في الأصل من أصحابه، من قراء الكوفة والبصرة، وقالوا: حكمت الرجال في دين الله، وواليت معاوية، وعمرا، وتوليتهما، وقد قال الله تعالى: {إن الحكم إلا لله} [سورة الأنعام آية: 57] وضربت المدة بينك وبينهم، وقد قطع الله هذه الموادعة والمهادنة، منذ أنزلت براءة.»
«فأجابه الشيخ (يعني عبد اللطيف آل الشيخ) –رحمه الله تعالى يحرضه ويحضه على الاستقامة على هذا المعتقد السليم، ومجانبة أصحاب الجحيم، وعلى الاجتهاد في طلب العلم وتعليمه، والدعوة إلى دين الله وسبيله، وأن ما ذكره في شأن الأعراب من الفرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ومن لم يستحل، هو الذي عليه العمل، وإليه المرجع عند أهل العلم، يعني أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، ورأى أن حكم الطاغوت أحسن من حكم الله، وأن الحضر لا يعرفون إلا حكم المواريث، وأن ما هم عليه من السوالف والعادات هو الحق، فمن اعتقد هذا فهو كافر.
وأما من لا يستحل هذا، ويرى أن حكم الطاغوت باطل، وأن حكم الله ورسوله هو الحق، فهذا لا يكفر، ولا يخرج من الإسلام. {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}»
«فصل: الكفر الذي يخرج من الملة
قال السائل: المسألة الأولى: ما نكفر الذي يخرج من الملة والذي لا يخرج في قولهم: الكفر كفران وكذا الفسق فسقان؟
«فانظر رمك الله إلى ما ذكره العلماء من أن الكفر نوعان كفر اعتقاد وجحود وعناد فأما كفر الجحود والعناد فهو أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحوداً وعناداً من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكامه التي أصلها توحيده وعبادته وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه، وأما النوع الثاني فهو كفر عمل، وهو نوعان أياً كان: مخرج من الملة وغير مخرج منها، فأما النوع الأول فهو يضاد الإيمان كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه، والنوع الثاني كفر عمل لا يخرج من الملة كالحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهذا كفر عمل لا كفر اعتقاد، وكذله قوله: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقوله: "من أتى كاهناً فصدقه وأتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل الله على محمد –صلى الله عليه وسلم" فهذا من الكفر العملي وليس كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي وسبه، وان كان الكل يطلق عليه الكفر الى آخر ما ذكر رحمه الله، لكن ينبغي أن يعلم أن من تحاكم إلى الطواغيت أو حكم بغير ما أنزل الله، واعتقد أن حكمهم أكمل وأحسن من حكم الله ورسوله، فهذا ملحق الكفر الاعتقادي المخرج عن الملة كما هو مذكور في نواقض الإسلام العشرة، وأما من لم يعتقد ذلك لكن تحاكم إلى الطاغوت وهو يعتقد أن حكمه باطل فهذا من الكفر العملي.»
«فصل: حكم التحاكم إلى الطاغوت
وأما المسألة الثانية وهو قول السائل: ما التحاكم إلى الطاغوت الذي يكفر به من فعله من الذي لا يكفر:
فالجواب أن نقول: قد تقدم الجواب عن هذه المسألة مفصلاً في كلام شمس الدين بن القيم وكلام شيخنا فراجعه، واعلم أن هذه المسألة مزلة أقدم ومفضلة أفهام، فعليك بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.»
«وكذلك ما هو أَهم من ذلك ما يدخله الملحدون والزنادقة والمستشرقون وغيرهم في أَفكار بعض المسلمين في تشكيكهم في أَصل دينهم، وتضليلهم عن سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وشريعته، وتحكيم القوانين الوضعية المخالفة للشريعة الإسلامية. وأَهم ذلك معرفة أَصل التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، وتحقيقه علمًا وعملا ومحاربة ما يخالفه من الشرك الأَكبر الذي يخرج من الملة، أَو من أنواع الشرك الأَصغر. وهذا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله. وكذلك تحقيق معنى محمد رسول الله: من تحكيم شريعته، والتقيد بها، ونبذ ما خالفها من القوانين والأَوضاع وسائر الأَشياء التي ما أَنزل الله بها من سلطان، والتي من حكم بها أَو حاكم إليها معتقدًا صحة ذلك وجوازه فهو كافر الكفر الناقل عن الملة، وإن فعل ذلك بدون اعتقاد ذلك وجوازه فهو كافر الكفر العملي الذي لا ينقل عن الملة.»
أحدها: أن يعتقد أنه جائز وحق، ويفضله على التحاكم إلى الشرع مع العلم بأنه خلاف الشرع؛ فهذا كفر ينقل عن الملة.
الثاني: أن لا يعتقد أنه جائز، ولا يفضله على الشرع، ويعلم أنه باطل، ولكن تحاكم إليه لغَرَضِ من الأغراض الدنيوية؛ فهذا معصية، وقد يكون شركا أصغر»
أنه يصلح أن يحاكم إليه؛ فإن هذا لا شك في أنه كفر»
«{فَكَيْفَ} يكون حال هؤلاء الضالين {إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ} من المعاصي ومنها تحكيم الطاغوت؟!
{ثُمَّ جَاءُوكَ} معتذرين لما صدر منهم، ويقولون: {إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كَذَبة في ذلك. فإن الإحسان كل الإحسان تحكيم الله ورسوله {ومَنْ أحْسَن من الله حكمًا لقوْمٍ يوقنون} .
ولهذا قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} أي: من النفاق والقصد السيئ. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي: لا تبال بهم ولا تقابلهم على ما فعلوه واقترفوه. {وَعِظْهُمْ} أي: بين لهم حكم الله تعالى مع الترغيب في الانقياد لله، والترهيب من تركه {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا} أي: انصحهم سرا بينك وبينهم، فإنه أنجح لحصول المقصود، وبالغ في زجرهم وقمعهم عمَّا كانوا عليه، وفي هذا دليل على أن مقترف المعاصي وإن أعرض عنه فإنه ينصح سرًا، ويبالغ في وعظه بما يظن حصول المقصود به.»
«فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم»
«حكم الاحتكام إلى القوانين الوضعية مع وجود القرآن الكريم
س: ما رأيكم في المسلمين الذين يحتكمون إلى القوانين الوضعية مع وجود القرآن الكريم والسنة المطهرة بين أظهرهم؟
ج: رأيي في هذا الصنف من الناس الذين يسمون أنفسهم بالمسلمين، في الوقت الذي يتحاكمون فيه إلى غير ما أنزل الله، ويرون شريعة الله غير كافية ولا صالحة للحكم في هذا العصر - هو ما قال الله سبحانه وتعالى في شأنهم حيث يقول سبحانه وتعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}
إذا فالذين يتحاكمون إلى شريعة غير شريعة الله، ويرون أن ذلك جائز لهم، أو أن ذلك أولى من التحاكم إلى شريعة الله لا شك أنهم يخرجون بذلك عن دائرة الإسلام، ويكونون بذلك كفارا ظالمين فاسقين، كما جاء في الآيات السابقة وغيرها، وقوله عز وجل: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
والله الموفق.»
«وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يقول: إن الشرع أفضل ولكن لا مانع من تحكيم غير الشرع.
النوع الثاني: أن يقول: إن الشرع والقانون سواء ولا فرق.
النوع الثالث: أن يقول إن القانون أفضل وأولى من الشرع. وهذا أقبح الثلاثة، وكلها كفر وردة عن الإسلام.
أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ضد المحكوم عليه، أو لرشوة، أو لأمور سياسية، أو ما أشبه ذلك من الأسباب وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع - فهذا يكون ناقص الإيمان، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان الواجب، وهو بذلك يكون كافرا كفرا أصغر وظالما ظلما أصغر وفاسقا فسقا أصغر، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وجماعة من السلف رحمهم الله، وهو قول أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم.»
«س: هل فيه فرق بين التبديل ككل والحكم في قضية واحدة؟
ج: إن كان لم يقصد بذلك الاستحلال، وإنما حكم بذلك لأجل أسباب أخرى يكون كفرا دون كفر، أما إذا قال: يباح لا حرج في الحكم بغير ما أنزل الله، وإن قال الشريعة أفضل، لكن إذا قال: ما فيه حرج مباح يكفر بذلك كفرا أكبر...»
«طالب: ما شأن المحامين الذين يدافعون عمن له حق، لكنهم يستخدمون وسائل غير شرعية؟
الشيخ: مثل؟
الطالب: يستخدمون قوانين ( … ).
طالب: شخص إذا كان محامي نفسه؟
الشيخ: نفس المحامي، الوكيل قائم مقام الموكل، فإذا كان الموكل محقًّا فلا بأس أن يتوكل عنه.»
قال الترمذي في «السنن» (ج4ص571):
«حدثنا قتيبة، قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن الجريري عن عبد الله بن شقيق العقيلي، قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.»
قال الإمام الشافعي في «الأم» (ج4ص227):
«وأهل الردة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربان، منهم قوم أغروا بعد الإسلام مثل طليحة ومسيلمة والعنسي وأصحابهم ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات فإن قال قائل ما دل على ذلك والعامة تقول لهم أهل الردة؟ (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): فهو لسان عربي فالردة الارتداد عما كانوا عليه بالكفر والارتداد يمنع الحق قال ومن رجع عن شيء جاز أن يقال ارتد عن كذا وقول عمر لأبي بكر أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله في قول أبي بكر هذا من حقها لو منعوني عناقا مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه معرفة منهما معا بأن ممن قاتلوا من هو على التمسك بالإيمان ولولا ذلك ما شك عمر في قتالهم ولقال أبو بكر قد تركوا لا إله إلا الله فصاروا مشركين»
وقال ابن وهب في «كتاب المحاربة» (ص19):
«أخبرني ابن سمعان أن من أدرك من السلف كانوا يقولون: هما ردتان، ردة كفر يستحل بها القتل والسبي وقطع المواريث، وردة انتقاض شرائع الإسلام، فقاتل عليها أهلها لا يحل سبيهم ولا أخذ أموالهم، وهي سيرة أبي بكر الصديق في من ارتد في زمانه»
وجاء في «أحكام أهل الملل والردة - من الجامع للخلال» (ص481):
«1405 - أخبرنا أحمد بن محمد بن مطر، قال: حدثنا أبو طالب، أنه قال لأبي عبد الله: فإن قال: الصوم فرض، ولا أصوم؟ قال: ليس الصوم مثل الصلاة والزكاة لم يجئ فيه شيء.
عمر، رضي الله عنه، استتاب في المرتد، وأبو بكر، رضي الله عنه، في الزكاة.
والصوم لم يجيء فيه شيء، ولا نجعله مثل الصلاة والزكاة.
قال: لم يقولوا فيه شيئا.
1406 - أخبرني محمد بن علي، قال: حدثنا الأثرم، قال: قيل لأبي عبد الله: تارك صوم شهر رمضان مثل تارك الصلاة؟ فقال: الصلاة أوكد، إنما جاء في الصلاة فليست كغيرها.»
قال ابن خزيمة في «صحيحه» (ج2ص1075):
«باب ذكر بعض ألوان مانع الزكاة والدليل على ضد قول من جهل معنى قوله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة) الآية [التوبة: 34]، فزعم أن هذه الآية إنما نزلت في الكفار لا في المؤمنين، والنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قد أعلم أن هذه الآية إنما نزلت في المؤمنين لا في الكفار، إذ محال أن يقال: يعذب الكفار إلى وقت كذا وكذا، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار، لأن الكافر يكون مخلدا في النار لا يطمع بأن يخلى سبيله بعد تعذيب بعض العذاب قبل الفصل بين الناس ثم يخلى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، بل يخلد في النار بعد الفصل بين الناس
2252 - حدثنا أحمد بن عبدة، أخبرنا عبد العزيز -يعني ابن محمد الدراوردي- حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتي به وبماله فأحمي عليه صفائح في نار جهنم فتكوى بها جنباه وجبينه وظهره، حتى يحكم الله بين عباده، يوما مقداره ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار.»
وقال محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (ج2ص1015):
«قرأت عليه وقلت: حدثكم يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي حقها إلا جعلت له يوم القيامة صفائح ثم أحمي عليها في نار جهنم تكوى بها جنباه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي حقها ومن حقها حلبها يوم وردها إلا أتى بها يوم القيامة لا يفقد منها فصيلا يوم وردها إلا بها يوم القيامة لا يفقد منها فصيلا واحدا ثم يبطح لها بقاع قرقر تطؤه بأخفافها وتقرضه بأفواهها كلما مر عليه أخراها كر عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يوم القيامة وبطح لها بقاع قرقر ليس فيها عضباء، ولا عقصاء، ولا جلحاء تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها كلما مر عليه أولاها كر عليه أخراها حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار»
...
...فهذا الحديث حجة على أهل الأهواء كلهم من الخوارج والمعتزلة وغيرهم لأنهم كلهم خلا المرجئة يزعمون أن مانع الزكاة إذا مات غير تائب أنه من أهل النار خالدا مخلدا لا يخرج منها أبدا، وآيسوه من رحمة الله تعالى ومن شفاعة الشافعين، فأما الخوارج فشهدوا عليه بالكفر وأخرجوه من الملة، وأما المعتزلة فأخرجوه من الإيمان، ولم يلحقوه بالكفر زعموا أنه فاسق ليس بمؤمن ولا كافر. فأكذب النبي صلى الله عليه وسلم مقالتهم في الحديث فأخبره أن الله عز وجل يعاقب مانع الزكاة بالعقوبة التي ذكرها، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار فأطمعه في دخول الجنة ولم يؤيسه من رحمة الله تعالى خوفه دخول النار ولم يؤمنه منها.
فدل ما ذكرنا أن مانع الزكاة ليس بكافر ولا مشرك إذ أطمعه في دخول الجنة لقول الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] ودل ذلك أيضا على أنه مؤمن إذ أطمعه في دخول الجنة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة إلا مؤمن» وقد ذكرنا هذا الباب ولم نقل فيه: قد كفر ونستتيبه من الكفر . وقد اتفق أهل الفتوى وعلماء أهل الأمصار على أن من أفطر في رمضان متعمدا أنه لا يكفر بذلك، واختلفوا فيما يجب عليه عند ذلك فمنهم من أوجب عليه مكان كل يوم أفطره صوم يوم لم يوجب عليه أكثر من ذلك إلا التوبة والاستغفار، ومنهم من أوجب عليه بدل كل يوم أفطره صيام شهر مع التوبة والاستغفار، ومنهم من أوجب عليه الكفارة مع قضاء يوم فإن أفطر رمضان كله متعمدا فمنهم من أوجب عليه لكل يوم كفارة مع القضاء ومنهم من قال: تجزئه كفارة واحدة ما لم يكفر ثم يعود، ولم يقل أحد من العلماء أنه قد كفر بل يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل فبهذه الدلائل فرقوا بين الصلاة وسائر الفرائض»
قال الطحاوي الحنفي في «شرح مشكل الآثار» (ج8ص205):
«وقد اختلف أهل العلم في تارك الصلاة كما ذكرنا، فجعله بعضهم بذلك مرتدا عن الإسلام، وجعل حكمه حكم من يستتاب من ذلك، فإن تاب وإلا قتل، منهم الشافعي، ومنهم من لم يجعله بذلك مرتدا، وجعله من فاسقي المسلمين وأهل الكبائر منهم، وممن قال بذلك أبو حنيفة رحمه الله، وأصحابه، وكان هذا القول أولى عندنا بالقياس ; لأنا قد وجدنا لله عز وجل فرائض على عباده في أوقات خواص، منها الصلوات الخمس، ومنها صيام شهر رمضان، وكان من ترك صوم شهر رمضان متعمدا بغير جحد لفرضه عليه لا يكون بذلك كافرا، ولا عن الإسلام مرتدا، فكان مثله تارك الصلاة حتى يخرج وقتها، لا على الجحود بها، ولا على كفر بها، لا يكون بذلك مرتدا، ولا عن الإسلام خارجا، والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلي ولا نأمر كافرا بالصلاة، ولو كان بما كان منه كافرا لأمرناه بالإسلام، فإذا أسلم أمرناه بالصلاة، وفي تركنا لذلك وأمرنا إياه بالصلاة ما قد دل على أنه من أهل الصلاة، ومن ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أفطر في يوم من شهر رمضان متعمدا بالكفارة التي أمره بها فيه، وفيها الصيام، ولا يكون الصيام إلا من المسلمين، ولما كان الرجل يكون مسلما إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتي بما يوجبه عليه الإسلام من الصلوات الخمس، ومن صيام رمضان، كان كذلك يكون كافرا بجحوده لذلك، ولا يكون كافرا بتركه إياه بغير جحود منه له، ولا يكون كافرا إلا من حيث كان مسلما ، وإسلامه كان بإقراره بالإسلام، وكذلك ردته لا تكون إلا بجحوده الإسلام، والله عز وجل نسأله التوفيق.»
وجاء في «اختلاف العلماء للطحاوي - اختصار الجصاص» (ج4ص394):
«ولم يختلفوا أن تارك صوم رمضان من غير عذر ليس بكافر كذلك تارك الصلاة وأيضا لا يختلفون أن تارك الصلاة مأمور بفعلها والمرتد لا يؤمر بفعل الصلاة إنما يؤمر بالإسلام ثم بالصلاة»
وقال القصاب في «نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام» (ج1ص490):
«وكل عمل تاركه سوى الثلاثة كسلا أو توانيا، وهو عارف بإساءته معترف بخطيئته غير جاحد بوجوبه - فهي معصية غليظة يلقى الله بها فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له»
وقال ابن هبيرة الحنبلي في «اختلاف الأئمة العلماء» (ج1ص209):
«واتفقوا على من امتنع من أداء الزكاة مستحلا لذلك غير معتقد لوجوبها أنه كافر إذا كان ممن ليس بحديث عهد بالإسلام، عرف وبصر، فإن لم يقر قتل كفرا بعد استتابته.
ثم اختلفوا فيمن اعتقد وجوبها، وامتنع من إخراجها، وقاتل على ذلك هل يكفر أم لا؟
فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد: لا يكفر.
واختلف عن أحمد، فروي عنه أنه يكفر فاعل ذلك، ويقتل بعد المطالبة به واستتابته، والثانية: يقاتل عليها ويقتل إن لم يؤد ولا يكفر.
وقال ابن حبيب من أصحاب مالك: إن تركها متهاونا فهو كافر، وكذلك تارك الصوم والحج، وسائر أركان الإسلام.
واختلفوا فيمن اعتقد وجوبها ولم يؤدها بخلا وشحا غير أنه لم يقاتل على المنع.
فقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يكفر ولا يقتل.
ثم اختلفوا في ماذا يفعل به...»
وقال أبو العباس القرطبي في «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (ج1ص185):
«قال القاضي أبو الفضل عياض: كان أهل الردة ثلاثة أصناف: فصنف كفر بعد إسلامه، وعاد لجاهليته، واتبع مسيلمة والعنسي، وصدق بهما. وصنف أقر بالإسلام إلا الزكاة فجحدها، وتأول بعضهم أن ذلك كان خاصا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم، وصنف اعترف بوجوبها، ولكن امتنع من دفعها إلى أبي بكر، فقال: إنما كان قبضها للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لا لغيره، وفرقوا صدقاتهم بأيديهم، فرأى أبو بكر والصحابة قتال جميعهم، الصنفان الأولان لكفرهم، والثالث لامتناعهم»
وقال أبو العباس القرطبي في «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (ج1ص271):
«(قوله: بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة) يعني: أن من ترك الصلاة، لم يبق بينه وبين الكفر حاجز يحجزه عنه، ولا مانع يمنعه منه، أي: قد صار كافرا؛ وهذا إنما يكون بالاتفاق فيمن كان جاحدا لوجوبها، فأما لو كان معترفا بوجوبها، متهاونا بفعلها، وتاركا لها، فالجمهور: على أنه يقتل إذا أخرجها عن آخر وقتها، ثم هل يقتل كفرا، أو حدا؟ فممن ذهب إلى الأول: أحمد بن حنبل، وابن المبارك، وإسحاق، وابن حبيب من أصحابنا، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب، وممن ذهب إلى الثاني: مالك، والشافعي، وكثير من أهل العلم؛ قالوا: يقتل حدا إذا عرضت عليه فلم يفعلها، ثم هل يستتاب أم لا؟ قولان لأصحابنا.
وقال الكوفيون: لا يقتل، ويؤمر بفعلها، ويعزر حتى يفعلها. والصحيح: أنه ليس بكافر؛ لأن الكفر الجحد كما تقدم، وليس بجاحد»
وقال الجصاص الحنفي في «أحكام القرآن» (ج3ص108):
«ويحتج من أوجب قتل تارك الصلاة، ومانع الزكاة عامدا بهذه الآية، وزعم أنها توجب قتل المشرك إلا أن يؤمن، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة. وقد بينا المعنى في قوله تعالى: {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} وأن المراد قبول لزومهما، والتزام فرضهما دون فعلهما. وأيضا فليس في الآية ما ادعوا من الدلالة على ما ذهبوا إليه، من قبل أنها إنما أوجبت قتل المشركين، ومن تاب من الشرك، ودخل في الإسلام والتزم فروضه، وأقر بها فهو غير مشرك باتفاق، فلم تقتض الآية قتله; إذ كان حكمها مقصورا في إيجاب القتل على من كان مشركا وتارك الصلاة ومانع الزكاة ليس بمشرك»
وقال النووي الشافعي في «المجموع شرح المهذب» (ج5ص334):
«إذا منع الزكاة بخلا بها وأخفاها مع اعترافه بوجوبها لم يكفر بلا خلاف ولا يجئ فيه الوجه السابق في الكتاب في الممتنع من الصلاة مع اعتقاد وجوبها أنه يكفر والفرق أن هناك أحاديث تقتضي الكفر بخلاف هذا»
قال ابن قدامة في «المقنع» (ص95):
«باب إِخراج الزكاة
لا يجوز تأخيرها عن وقت وجوبها مع إِمكانه إِلا لضرر: مثل أن يخشى رجوع الساعي عليه ونحو ذلك، فإِن جحد وجوبها جهلًا به عرّف ذلك، فإِن أصر كفر وأخذت منه واستتيب ثلاثاً فإِن لم يتب قتل. ومن منعها بخلاً بها أخذت منه وعزر، فإِن غيَّب ماله أو كتمه أو قاتل دونها وأمكن أخذها أخذت من غير زيادة، وقال أبو بكر يأخذها وشطر ماله، وإِن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثاً فإِن تاب وأخرج وإِلا قتل وأخذت من تركته، وقال بعض أصحابنا إِن قاتل عليها كفر، وِإن ادعى ما يمنع وجوب الزكاة من نقصان الحول أو النصاب أو انتقاله عنه في بعض الحول ونحوه قبل قوله من غير يمين نص عليه.»
وقال ابن قدامة في «المغني» (ج4ص9):
«ووجه الأول، أن عمر وغيره من الصحابة امتنعوا من القتال فى بدء الأمر، ولو اعتقدوا كفرهم لما توقفوا عنه، ثم اتفقوا على القتال، وبقى الكفر على أصل النفى، ولأن الزكاة فرع من فروع الدين، فلم يكفر تاركه بمجرد تركه؛ كالحج، وإذا لم يكفر بتركه، لم يكفر بالقتال عليه كأهل البغى. وأما الذين قال لهم أبو بكر هذا القول، فيحتمل أنهم جحدوا وجوبها، فإنه نقل عنهم أنهم قالوا: إنما كنا نؤدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن صلاته سكن لنا، وليس صلاة أبى بكر سكنا لنا، فلا نؤدى إليه. وهذا يدل على أنهم جحدوا وجوب الأداء إلى أبى بكر، رضى الله عنه، ولأن هذه قضية فى عين، ولا يتحقق من الذين قال لهم أبو بكر هذا القول، فيحتمل أنهم كانوا مرتدين، ويحتمل أنهم جحدوا وجوب الزكاة، ويحتمل غير ذلك، فلا يجوز الحكم به فى محل النزاع، ويحتمل أن أبا بكر قال ذلك لأنهم ارتكبوا كبائر، وماتوا من غير توبة، فحكم لهم بالنار ظاهرا»
وقال شهاب الدين العسكري الحنبلي في «المنهج الصحيح في الجمع بين ما في المقنع والتنقيح» (ج1ص529):
«ولا يكفر بقتاله له»
وكذلك قال الحجاوي الحنبلي في «الإقناع» (ج1ص283):
«ولا يكفر بقتاله له»
وقال الحجاوي في «الإقناع» (ج1ص75):
«ولا يكفر بترك شيء من العبادات تهاونا غير الصلاة فلا يكفر بترك زكاة ولا بترك صوم وحج»
وقال البهوتي الحنبلي في «كشاف القناع» (ج5ص82):
«(ولا يكفُرُ) مانع الزكاة تهاونًا أو بخلًا (بقتاله له) أي: للإمام؛ لما تقدم عن عبد الله بن شقيق، ولأن عمر وغيره امتنعوا ابتداء من قتال مانعي الزكاة، ولو اعتقدوا كفرهم ما امتنعوا منه»
وقال ابن تيمية في «الفتاوى الكبرى» (ج3ص446):
«وكذلك مانعوا الزكاة؛ فإن الصديق والصحابة ابتدءوا قتالهم، قال الصديق: والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه. وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب. ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب؟ على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج وأما أهل البغي المجرد فلا يكفرون باتفاق أئمة الدين؛ فإن القرآن قد نص على إيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي. والله أعلم.»
وقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (ج7ص609):
«ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئا من هذه الفرائض الأربع بعد الإقرار بوجوبها؛ فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين وهو كافر باطنا وظاهرا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها»
جاء في «صحيح البخاري» (ج5ص145):
«حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني الحسن بن محمد أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يقول: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوا منها. قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة، إلى ناس بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب، ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقا في قريش، يقول: كنت حليفا، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين، من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. فأنزل الله السورة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة} إلى قوله: {فقد ضل سواء السبيل}.»
وإن قال قائل: لم كفَّره عمر رضي الله عنه إن لم يكن فعله كفرًا؟
قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (ج3ص283):
«وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد شهد بدرا وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ وهذا في الصحيحين. وفيهما أيضا: من حديث الإفك: أن أسيد بن الحضير. قال لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين واختصم الفريقان فأصلح النبي صلى الله عليه وسلم بينهم. فهؤلاء البدريون فيهم من قال لآخر منهم: إنك منافق ولم يكفر النبي صلى الله عليه وسلم لا هذا ولا هذا بل شهد للجميع بالجنة»
وقال ابن القيم في «زاد المعاد» ت الرسالة الثاني (ج3ص372) معلقًا على قصة حاطب رضي الله عنه:
«وفيها: أن الرجل إذا نسب المسلم إلى النفاق والكفر متأولا وغضبا لله ورسوله ودينه لا لهواه وحظه، فإنه لا يكفر بذلك، بل لا يأثم به، بل يثاب على نيته وقصده، وهذا بخلاف أهل الأهواء والبدع، فإنهم يكفرون ويبدعون لمخالفة أهوائهم ونحلهم، وهم أولى بذلك ممن كفروه وبدعوه.»
والنبي ﷺ عذر حاطبًا بكونه من أهل بدر، وهذا لا يُعقل إن كان فعله كفرًا مخرجًا من الملة كالسجود للصنم، كما قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (ج7ص490):
«أن قوله لأهل بدر ونحوهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم إن حمل على الصغائر أو على المغفرة مع التوبة لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم. فكما لا يجوز حمل الحديث على الكفر لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر»
وكما قال عبد اللطيف آل الشيخ في «مجموعة الرسائل والمسائل النجدية (الجزء الثالث)» (ص9):
«فدخل حاطب في المخاطبة باسم الإيمان ووصفه به، وتناوله النهي بعمومه وله خصوص السبب الدال على إرادته، مع أن في الآية الكريمة ما يشعر أن فعل حاطب نوع موالاة، وأنه أبلغ إليهم بالمودة، فإن فاعل ذلك قد ضل سواء السبيل؛ لكن قوله صدقكم خلوا سبيله ظاهر في أنه لا يكفر بذلك إذا كان مؤمنا بالله ورسوله غير شاك ولا مرتاب، وإنما فعل ذلك لغرض دنيوي. ولو كفر لما قيل: خلوا سبيله. لا يقال قوله صلى الله عليه وسلم لعمر: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم هو المانع من تكفيره، لأنا نقول: لو كفر لما بقي من حسناته ما يمنعه من لحاق الكفر وأحكامه.»
جاء في كتاب «الأم» للإمام الشافعي (ج4ص263):
«قيل للشافعي: أرأيت المسلم يكتب إلى المشركين من أهل الحرب بأن المسلمين يريدون غزوهم أو بالعورة من عوراتهم هل يحل ذلك دمه ويكون في ذلك دلالة على ممالأة المشركين؟ (قال الشافعي - رحمه الله تعالى -): لا يحل دم من ثبتت له حرمة الإسلام إلا أن يقتل أو يزني بعد إحصان أو يكفر كفرا بينا بعد إيمان ثم يثبت على الكفر وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين... (وذكر قصة حاطب رضي الله عنه)»
وجاء في «اختلاف العلماء للطحاوي - اختصار الجصاص» (ج3ص451) في باب الحربي المستأمن يدل على عورة المسلم:
«قال أبو جعفر الطحاوي لم يختلفوا أن المسلم لو فعل ذلك لم يبح دمه كذلك المستأمن والذمي»
قال السمعاني في «تفسيره» (ج5ص413):
«قال أهل التفسير: وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد غزوا ورى بغيره. وكان يقول: الحرب خدعة فلما أراد أن يغزو مكة كتم أمره أشد الكتمان، وكتب حاطب بن أبي بلتعة على يدي امرأة تسمى سارة كتابا إلى أهل مكة يخبرهم بمسير النبي، فأطلع الله نبيه على ذلك، وكان الأمر على ما بينا، وأنزل الله تعالى هذه الآية.
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} في الآية دليل على أن حاطب لم يخرج من الإيمان بفعله ذلك.»
قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (ج7ص522):
«وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرا كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيه {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة}»
قال أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» (ج4ص225):
«المسألة الرابعة من كثر تطلعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي، واعتقاده على ذلك سليم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو الردة عن الدين.»
قال النووي في «شرح النووي على مسلم» (ج16ص55) معلقًا على قصة حاطب رضي الله عنه:
«وفيه أن الجاسوس وغيره من أصحاب الذنوب الكبائر لا يكفرون بذلك وهذا الجنس كبيرة قطعا لأنه يتضمن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو كبيرة بلا شك»
وقال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري» (ج5ص163) معلقًا على قصة حاطب رضي الله عنه:
«وقال المهلب: وفيه هتك ستر المذنب، وكشف المرأة العاصية. وفيه: أن الجاسوس قد يكون مؤمنًا، وليس تجسسه مما يخرجه من الإيمان. وفيه: أنه لا يتسور فى قتل أحد دون رأى الإمام. وفيه: إشارة الوزير بالرأى على السلطان وإن لم يستشره. وفيه: الاشتداد عند السلطان على أهل المعاصى، والاستئذان فى قتلهم. وفيه: جواز العفو عن الخائن لله ورسوله تجسس أو غيره. وفيه: مراعاة فضيلة سلفت، ومشهد شاهده الجاسوس وغيره من المذنبين والتشفع بذلك له»
وقال ابن بطال في «شرح صحيح البخاري» (ج5ص164) معلقًا على قصة حاطب رضي الله عنه:
«ومن قال بقتل الجاسوس المسلم فقد خالف الحديث وأقوال المتقدمين من العلماء، فلا وجه لقوله»
وقال ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» (ج12ص310) معلقًا على قصة حاطب رضي الله عنه:
«وفيه الرد على من كفر المسلم بارتكاب الذنب، وعلى من جزم بتخليده في النار، وعلى من قطع بأنه لا بد وأن يعذب.
...
وفيه هتك ستر الجاسوس، وقد استدل به من يرى قتله من المالكية لاستئذان عمر في قتله ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك إلا لكونه من أهل بدر، ومنهم من قيده بأن يتكرر ذلك منه، والمعروف عن مالك يجتهد فيه الإمام، وقد نقل الطحاوي الإجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه، وقال الشافعية والأكثر يعزر، وإن كان من أهل الهيئات يعفى عنه. وكذا قال الأوزاعي، وأبو حنيفة يوجع عقوبة ويطال حبسه.»
قال ابن المنذر في «الأوسط» (ج6ص300):
«واختلفوا فيما يفعل بالرجل من المسلمين قد كاتب المشركين وأخبرهم بأخبار المسلمين، فكان مالك بن أنس يقول: ما سمعت فيه بشيء، وأرى فيه اجتهاد الإمام. وقال الأوزاعي في جاسوس من المسلمين للعدو: يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، وإن أبى عاقبه الإمام عقوبة موجعة، ثم غربه إلى بعض الآفاق وضمن الحبس.
وقال الأوزاعي وقد سئل عن هذِه المسألة: إن كان مسلمًا عاقبه الإمام عقوبة منكلة وغربه إلى بعض الآفاق في وثاق، وإن كان ذميًا قتل، فإنه قد نقض عهده، وإن كان أهل حرب بعثوا إليهم بأموال على مناصحتهم، قبض تلك الأموال، فوضع في بيت المال.
وقال أصحاب الرأي: يوجع عقوبة، ويطال حبسه.
وقال عبد الملك الماجشون: أما من جهل الجهلة، وقد عرف بسوء الرعة وفساد الطريقة، ولم يكن لغفلته منه تَأَبُّدٌ، ولا إواء يخشى عوره، وكان ذلك منه المرة، ولم يكن على وجه الضغن على الإسلام وأهله، وظُنَّ به الجهل، أدبه الأدب الغليظ، وجعله نكالًا لمن سواه، وإذا وجدت من قد أعاد ذلك، وعرف منه، وتواطأ به عليه اللسان والذكر، فهو الجاسوس المختان لله ورسوله، فعليه القتل.»
قال ابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات» (ج3ص352):
«فى الجاسوس من مسلم أو حربى أو معاهد
وشى من معانى النكث
من كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا وجدنا بأرض الإسلام عيناً لأهل الشرك، وهو حربى دخل بغير أمان، أو كان ذمياً أو مسلماً يكاتبهم بعورات المسلمين: فإنا الحربى فللإمام قتله وله استحياؤه كمحارب ظفرنا به، وللإمام أخذ ماله ولا خمس فيه وهو فىء. فإن أسلم قبل ان يقتل فأنه لا يقتل ويبقى رقيقاً كأسير أسلم. وإما المسلم يكاتبهم فأنه يقتل ولا يستتاب وماله لورثته، وهو كالمحارب والساعى فى الارض فساداً. وقال بعض أصحابنا: يجلد جلداً منكلاً ويطال حبسه وينفى من موضع كان فيه بقرب المشركين. قال: وان كان ذمياً قتل ليكون نكإلا لغيره.
ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: يقتل الجاسوس ولا تعرف لهذا توبة.
وقال ابن وهب عن مالك فى الجاسوس المسلم على الإسلام: ما سمعت فيه بشىء وليجتهد فيه الإمام، ورواه ابن القاسم عن مالك فى العتبية.
قال ابن سحنون قال ابن وهب: إذا ثبت ذلك عليه قتل إلا ان يتوب.
قال ابن المواز قال ابن القاسم ان ظاهر على أمور المسلمين بأمر دل به على عوراتهم قتل. وان لم يكن فيما كان منه مظاهرة على عوراتهم سجن حتى تعرف توبته. وقال ابن الماجشون: ينظر فيه، فإن ظن به الجهل وعرف بالغفلة وان مثله لا عور عنده وكان منه المرة ولم يكن عادةً وليس من أهل الطعن على الإسلام فلينكل لغيره. وان كان معتاداً وتوطأ عليه فليقتل.»
وجاء في «تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام» (ج2ص297):
«مسألة: وإذا قلنا: إنه يجوز للحاكم أن يجاوز الحدود في التعزير، فهل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل أو لا؟ فيه خلاف، وعندنا (المالكية) يجوز قتل الجاسوس المسلم إذا كان يتجسس بالعدو وإليه ذهب بعض الحنابلة، وأما الداعية إلى البدعة المفرق لجماعة المسلمين فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.»
قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (ج28ص345):
«وأما مالك وغيره فحكي عنه: أن من الجرائم ما يبلغ به القتل. ووافقه بعض أصحاب أحمد في مثل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين فإن أحمد توقف في قتله وجوز مالك وبعض الحنابلة - كابن عقيل - قتله ومنعه أبو حنيفة والشافعي وبعض الحنابلة كالقاضي أبي يعلى.»
وقال في «منهاج السنة النبوية» (ج6ص175):
«والتعزير بالقتل إذا لم تحصل المصلحة بدونه مسألة اجتهادية، كقتل الجاسوس المسلم، للعلماء فيه قولان معروفان، وهما قولان في مذهب أحمد: أحدهما: يجوز قتله، وهو مذهب مالك، واختيار ابن عقيل. والثاني: لا يجوز قتله، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، واختيار القاضي أبي يعلى وغيره.»
وقال ابن القيم في «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية» (ص224):
«ومالك يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد، ويرى أيضا هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي: قتل الداعية إلى البدعة.»
وقال ابن الجوزي في «زاد المسير في علم التفسير» (ج1ص558):
«قوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم فيه قولان: أحدهما: من يتولهم في الدين، فانه منهم في الكفر. والثاني: من يتولهم في العهد فانه منهم في مخالفة الأمر»
وقال أبو حيان في «البحر المحيط في التفسير» (ج4ص291):
«ومن يتولهم منكم فإنه منهم قال ابن عباس: فإنه منهم في حكم الكفر، أي ومن يتولهم في الدين. وقال غيره: ومن يتولهم في الدنيا فإنه منهم في الآخرة. وقيل: ومن يتولهم منكم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر. وهذا تشديد عظيم في الانتفاء من أهل الكفر، وترك موالاتهم، وإنحاء عبد الله بن أبي ومن اتصف بصفته. ولا يدخل في الموالاة لليهود والنصارى من غير مصافاة، ومن تولاهم بأفعاله دون معتقده ولا إخلال بإيمان فهو منهم في المقت والمذمة، ومن تولاهم في المعتقد فهو منهم في الكفر»
جاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة (ج7ص522):
«قلت: أرأيت أهل العدل إذا خافوا أن يظهر أهل البغي عليهم أترى لأهل العدل أن يستعينوا بأهل الذمة وحكم أهل العدل هو الظاهر؟ قال: لا بأس بذلك.»
قال السرخسي الحنفي في «المبسوط» (ج10ص133):
«ولا بأس بأن يستعين أهل العدل بقوم من أهل البغي وأهل الذمة على الخوارج إذا كان حكم أهل العدل ظاهرا؛ لأنهم يقاتلون لإعزاز الدين، والاستعانة عليهم بقوم منهم أو من أهل الذمة كالاستعانة عليهم بالكلاب.»
وقال أيضا في «المبسوط» (ج10ص125):
«وفيه دليل على أن الخوارج إذا كانوا يقاتلون الكفار تحت راية أهل العدل، فإنهم يستحقون من الغنيمة ما يستحقه غيرهم لأنهم مسلمون»
قال القدوري الحنفي في «التجريد» (ج11ص5838):
«مسألة 1393
[الاستعانة بالكفار على قتال أهل البغي]
28140 - قال أصحابنا: يجوز للإمام أن يستعين على قتال أهل البغي بالكفار إذا كانت كلمة المسلمين هي الظاهرة عليهم. وقال الشافعي: لا يجوز.»
قال ابن المنذر الشافعي رحمه الله في «الإشراف» (ج8ص230):
«باب الاستعانة بأهل الذمة وبأهل الحرب على أهل البغي
واختلفوا في الاستعانة بأهل الذمة على أهل البغي. فكان الشافعي يقول: "لا يجوز لأهل العدل أن يستعينوا على أهل البغي بأحد من المشركين، ذمي ولا حربي، ولا أحب أن أقاتلهم- يعني أهل البغي- أيضاً بأحد يستحل قتلهم مدبرين، وجرحى، وأسرى من المسلمين".
وفيه قول ثان وهو: أن لا بأس أن يستعينوا عليهم بأناس من أهل الذمة، وكذلك يستعينوا عليهم بأناس من أهل الحرب قد دخلوا دار الإِسلام بأمان، وكذلك يستعينوا عليهم بصنف من الخوارج مخالفين للذين خرجوا، إذا كان أهل الحد هم الظاهرين على الذين يستعينون هم على الخوارج. هذا قول أصحاب الرأي (يعني الأحناف).»
قال ابن قدامة الحنبلي في «المغني» (ج12ص247):
«وقال أصحاب الرأي (أي الحنفية): لا بأس أن يستعين عليهم بأهل الذمة والمستأمنين وصنف آخر منهم، إذا كان أهل العدل هم الظاهرين على من يستعينون به. ولنا (أي الحنابلة)، أن القصد كفهم، وردهم إلى الطاعة، دون قتلهم، وإن دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم، فإن كان يقدر على كفهم، استعان بهم، وإن لم يقدر، لم يجز»
وقال المرداوي الحنبلي في «التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع» (ص453) في باب قتال أهل البغي:
«ويكره قصد رحمه الباغي بقتل، ويحرم (قتالهم بما يعم إتلافه، واستعانته بكافر إلا لضرورة)»
وقال الحجاوي الحنبلي في «الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل» (ج4ص295) في باب قتال أهل البغي:
«ويحرم أن يستعين في حربهم بكافر أو بمن يرى قتلهم مدبرين: إلا لضرورة»
وحتى لو كان حكم المشركين هو الظاهر، فالاستعانة بهم على المسلمين من أهل البغي «لا تنبغي» و«لا تحل»، ولم يقولوا بتكفير الفاعل
كما جاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة (ج7ص521):
«قلت: فلو أن أهل البغي ظهروا على أهل العدل حتى ألجأوهم إلى دار الشرك، فدخلوا دار الشرك بأمان، أيحل لهم أن يغيروا مع أهل الشرك فيقاتلوا [مع] المشركين؟ قال: لا. قلت: لمَ؟ قال: لأن حكم أهل الشرك ظاهر عليهم. قلت: أفيحل لأولئك النفر من أهل العدل أن يستعينوا بأهل الشرك على أهل البغي من المسلمين وحكم أهل الشرك ظاهر؟ قال: لا ينبغي لهم ذلك. قلت: لمَ؟ قال: لأن حكم أهل الشرك هو الظاهر الغالب.»
وقال السرخسي الحنفي في «المبسوط» (ج10ص133):
«وإن ظهر أهل البغي على أهل العدل حتى ألجؤهم إلى دار الشرك فلا يحل لهم أن يقاتلوا مع المشركين أهل البغي؛ لأن حكم أهل الشرك ظاهر عليهم أن يستعينوا بأهل الشرك على أهل البغي من المسلمين إذا كان حكم أهل الشرك هو الظاهر»
وقال محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة في «شرح السير الكبير» (ص717):
«ولو قتل مسلما كان في صف المشركين يقاتل المسلمين معهم لم يكن له سلبه»
وقال السرخسي معلقا على كلام الشيباني:
«لأن هذا وإن كان مباح القتل ولكن سلبه ليس بغنيمة. لأنه مال المسلم، ومال المسلم لا يكون غنيمة للمسلمين بحال كأموال أهل البغي»
ولم يقولوا بتكفير أهل البغي لو استعانوا بأهل الحرب في قتال أهل العدل أيضا
كما جاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة (ج7ص515):
«قلت: أرأيت إن كان أهل البغي قد استعانوا بقوم من أهل الذمة على حربهم فقاتلوا معهم، أيكون ذلك نقضاً لعهدهم؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: لأنهم مع طائفة من المسلمين»
قال السرخسي الحنفي في «المبسوط» (ج10ص128):
«وإن كان أهل البغي قد استعانوا بقوم من أهل الذمة على حربهم فقاتلوا معهم لم يكن ذلك منهم نقضا للعهد، ألا ترى أن هذا الفعل من أهل البغي ليس بنقض للإيمان فكذلك لا يكون من أهل الذمة نقضا للعهد، وهذا لأن أهل البغي مسلمون، فإن الله تعالى سمى الطائفتين باسم الإيمان بقوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9] وقال علي رضي الله عنه إخواننا بغوا علينا، فالذين انضموا إليهم من أهل الذمة لم يخرجوا من أن يكونوا ملتزمين حكم الإسلام في المعاملات، وأن يكونوا من أهل دار الإسلام فلهذا لا ينتقض عهدهم بذلك، ولكنهم بمنزلة أهل البغي فيما أصابوا في الحرب؛ لأنهم قاتلوا تحت راية البغاة فحكمهم فيما فعلوا كحكم البغاة.»
وقال أبو يعلى الحنبلي في «الروايتين والوجهين» (ج2ص308):
«مسألة: إذا استعان أهل البغي بأهل الذمة، فقاتلوا معهم لأهل العدل، ولم يكونوا مكرهين ولا أتوا بشبهة تكون عذرًا لهم في ذلك مثل أن قالوا: ما عرفنا أنهم يستعينون بنا على مقاتلة المسلمين، أو قالوا: كنا نعتقد أنها من المسلمين تجوز متابعتهم فهل ينقض أمانهم أم لا؟
ذكر أبو بكر عبد العزيز، في كتاب الخلاف، ما يدل على وجهين، أحدهما: ينتقض أمانهم لأنهم لو انفردوا بمقاتلة المسلمين انتقض عهدهم، كذلك إذا قاتلوا مع أهل البغي وجب أن ينتقض عهدهم.
والثاني: لا ينتقض لأن أهل الذمة وإن قاتلوا فإنما قاتلوا تبعًا للمسلمين والحكم للمتبوع لا للتبع فلهذا حكمنا بذلك.»
وقال النووي الشافعي في «روضة الطالبين وعمدة المفتين» (ج10ص60):
«السادسة: لو استعان البغاة علينا بأهل الحرب، وعقدوا لهم ذمة وأمانا ليقاتلوا معهم، لم ينفذ أمانهم علينا، فلنا أن نغنم أموالهم، ونسترقهم، ونقتلهم إذا وقعوا في الأسر، ونقتلهم مدبرين، ونذفف على جريحهم، وقال القاضي حسين: لا يتبع مدبرهم، ولا يذفف على جريحهم، والصحيح الأول، وهل ينعقد الأمان في حق البغاة؟ وجهان، أصحهما: نعم، فإن قلنا: لا، فقال البغوي: لأهل البغي أن يكروا عليهم بالقتل والاسترقاق، والذي ذكره الإمام على هذا، أنه أمان فاسد، وليس لأهل البغي اغتيالهم، بل يبلغونهم المأمن، فلو قالوا: ظننا أنه يجوز لنا أن نعين بعض المسلمين على بعض أو ظننا أنهم المحقون، أو ظننا أنهم استعانوا بنا في قتال الكفار، فوجهان...»
وهذا كله حرام عند الشافعي
قال الإمام الشافعي في «الأم» (ج4ص232):
«ولا يجوز لأهل العدل عندي أن يستعينوا على أهل البغي بأحد من المشركين ذمي ولا حربي ولو كان حكم المسلمين الظاهر، ولا أجعل لمن خالف دين الله عز وجل الذريعة إلى قتل أهل دين الله قال ولا بأس إذا كان حكم الإسلام الظاهر أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين»
فائدة في حكم بيع السلاح للعدو
والسلف على كراهة وتفسيق صاحب الفعل ولم يقل أحد بتكفيره أو أنه غير مجتنب للكفار أو أنه ظاهرهم بكفر مخرج من الملة
وقال ابن المنذر الشافعي في «الأوسط» (ج6ص406):
«واختلف أهل العلم في الدخول إلى أرض الشرك بالتجارات، فكرهت طائفة ذلك، وممن كان يكره ذلك: مالك بن أنس، والأوزاعي، قال مالك: أرى أن يمنعوا من ذلك، وكره ذلك كراهية شديدة، وكره الأوزاعي أن يدخل دار الحرب للتجارة لما يجري عليهم من أحكامهم ويخرج من أحكام المسلمين، وكان أحمد بن حنبل يستعظم الخروج إلى بلاد الشرك للتجارة،
وروينا عن الحسن البصري أنه قال فيمن يحمل الطعام إلى أرض العدو: أولئك الفساق.
وكرهت فرقة حمل السلاح إليهم وسهلت فيما سوى السلاح، كان عطاء بن أبي رباح يكره حمل السلاح والخيل إليهم وما يتقوون به، فأما غيره فلا بأس، وكذلك قال عمرو بن دينار، وروينا عن عمر بن عبد العزيز أنه نهى أن تحمل الخيل إلى أرض العدو»
وقال ابن أبي شيبة في «المصنف» (ج18ص444):
«[132] ما يكره أن يحمل إلى (أرض) العدو (فيتقوى) به
35599 - حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن الحسن قال: لا يحل لمسلم أن يحمل إلى عدو المسلمين طعاما ولا سلاحا يقويهم به على المسلمين فمن فعل ذلك فهو فاسق.
35600 - حدثنا محمد بن بكر (عن) (ابن) جريج عن عطاء أنه كره حمل السلاح إلى العدو، قال: قلت له: تحمل الخيل إليهم؟ قال: فأبى ذلك وقال: أما ما يقويهم للقتال فلا، وأما غيره فلا بأس.
35601 - وقاله عمرو بن دينار.
35602 - حدثنا محمد بن بكر عن ابن جريج قال: نهى عمر بن عبد العزيز أن (تحمل) (الخيل) إلى أرض الهند.
35603 - حدثنا أبو أسامة عن هشام عن الحسن أنه كره أن يحمل السلاح والكراع إلى أرض العدو للتجارة.
35604 - حدثنا عبد الرحيم عن عبيدة عن إبراهيم أنه كان يكره أن يحمل إلى عدو المسلمين سلاح أو منفعة.»
وقال الماوردي الشافعي في «الحاوي الكبير» (ج5ص270):
«فأما بيع السلاح على أهل الحرب فحرام لما فيه من تقوية أعداء الله على أهل دين الله، فإن بيع السلاح عليهم لم يجز في العقد وجهان:
أحدهما: البيع باطل لتحريم إمضائه.
والثاني: صحيح، ولكن ينفسخ عليهم...»
وقال ابن رشد الجد في «البيان والتحصيل» (ج18ص613-614):
«[يبيع العنب ممن يعصره خمرا]
في الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرا، أو السلاح ممن يقاتل بها المسلمين، وما أشبه ذلك وقال ابن كنانة: لا ينبغي أن يباع العنب أو العصير ممن يتخذه خمرا، لا من نصراني ولا من مسلم، ولا يباع السلاح ممن يقاتل بها المسلمين، ولا تباع الأرض ممن يبني فيها كنيسة، لا تباع الخشبة ممن يتخذ منها صنما. قال: وأكره أن يكون الإنسان عونا على الإثم، قال الله عز وجل: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] ، وأما أن يتهمه ببعض ذلك ولا يدري ما يراد به فلا بأس أن يبيعه منه. قال ابن كنانة: أكره أن يبيع الرجل القمح ممن يعمل منه شرابا مسكرا، وقال ابن كنانة: يكره أن يبيع الرجل السلاح من أحد يعلم أنه يقاتل الأنفس بغير حق مشتهرا بذلك معروفا به.
...
وحكم بيع السلاح ممن يقاتل بها المسلمين حكم بيع العنب ممن يعصره خمرا من المسلمين. وحكم بيع الأرض ممن يبني فيها كنيسة، والعود ممن يتخذ منه صنما حكم بيع العنب من النصراني ليتخذ منه خمرا، وبالله التوفيق.»
وقال المازري المالكي في «شرح التلقين» (ج2ص935):
«منع في المدوّنة من أن يباع من أهل الحرب ما تكون لهم به قوّة على المسلمين، كالسّلاح والخيل والبغال والحمير والأخراج والغرائر والحرير والنّحاس والحرير.
وفي كتاب ابن حبيب: والصوف والكتّان والزفت والقطران والجلود.
وهذا يوضح وجه منعه على الجملة لأنّ الله تعالى يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}. فإذا أمددناهم بما يكون لهم قوّة علينا صار هذا نقيض ما أمر الله سبحانه به، وصار معونة على دماء المسلمين. فقد قال سحنون فيمن باع منهم السّلاح فقد شارك في دماء المسلمين. وقال الحسن: من باع منهم الطّعام فهو فاسق، ومن باع منهم السّلاح فليس بمؤمن.
وهذا التغليظ في بيع السّلاح لأنا لا نكفّر بذلك إلاّ لمن تعمّد واعتقد استحلال دماء المسلمين.»
وقال المرغيناني الحنفي في «الهداية في شرح بداية المبتدي» (ج2ص382):
«ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ولا يجهز إليهم لأن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع السلاح من أهل الحرب وحمله إليهم ولأن فيه تقويتهم على قتال المسلمين فيمنع من ذلك وكذا الكراع لما بينا وكذا الحديد لأنه أصل السلاح وكذا بعد الموادعة لأنها على شرف النقض أو الانقض فكانا حربا علينا وهذا هو القياس في الطعام والثوب»
وقال ابن مودود الموصلي الحنفي في «الاختيار لتعليل المختار» (ج4ص122):
«قال: (ويكره بيع السلاح والكراع من أهل الحرب وتجهيزه إليهم قبل الموادعة وبعدها) لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ولما فيه من تقويتهم على المسلمين لأنه معصية، وكذلك الحديد وكل ما هو أصل في آلات الحرب، وهو القياس في الطعام والشراب، إلا أنا جوزناه لما روي «أنه عليه الصلاة والسلام أمر ثمامة بأن يمير أهل مكة» وكانوا حربا علينا ولأنا نحتاج إلى بعض ما في بلادهم من الأدوية، فلو منعنا عنهم الميرة لمنعوها عنا»
وقال الصنعاني في «التنوير شرح الجامع الصغير» (ج8ص151):
«"كفر بالله العظيم عشرة من هذه الأمة الغال والساحر والديوث وناكح المرأة في دبرها وشارب الخمر ومانع الزكاة ومن وجد سعة ومات ولم يحج والساعي في الفتن وبائع السلاح من أهل الحرب ومن نكح ذات محرم منه". ابن عساكر عن البراء.
(كفر) بلفظ الفعل. (بالله العظيم عشرة من هذه الأمة) أمة الإجابة المسلمين: (الغال) الخائن في المغنم أو غيره. (والساحر) تقدم تحقيقه وبيان السحر. (والديوث) الذي لا يغار على أهله. (وناكح المرأة في دبرها) فإنه محرّم (وشارب الخمر) ولو جرعة (ومانع الزكاة) ولو درهماً. (ومن وجد سعة ومات ولم يحج) فإنه ترك فرض اللَّه مع تكامل شرائطه وعليه {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]. (والساعي في) إثارة (الفتن) بين العباد (وبائع السلاح لأهل الحرب) الذين يحاربون المسلمين. (ومن نكح) أي وطئ (ذات محرم منه) تحرم عليه فكل منهم كافر إن استحل لرده الشريعة، أو أثم إثماً بليغاً إن لم يستحل»
فائدة في حكم القتال في "جيش الطاغوت":
قال ابن أبي زيد القيرواني في «النوادر والزيادات» (ج3ص313):
«قال الأوزاعى: وإذا دعى الطاغية من عنده من أسارى المسلمين أن يقاتلوا معه من خالفه من أهل ملته ويخليهم إن فتح له، فإن قاتلوا معه لأنجاز ما وعدهم لا ليحظوا عنده أو ليعزوا دينه فلا بأس بذلك. فعله فروة بن مجاهد فى أصحاب له من التابعين مع طاغيته الرومى غزوة برجان، ففتح لهم فأطلقهم، فلم ير من كان يومئذ من العلماء بذلك بأساً.
قال الأوزاعى: ويسعهم أن يقاتلوهم من غير دعوة إلى الإسلام، وما غنموا فهو له لأنهم كعبيده. قال سحنون: بقول مالك أقول: أنهم لا يقاتلون معه وإلى من يدعوهم.
قال ابن القاسم: وكذلك لو كان عنده تجار فأراد أن يقاتلوا معه فلا يفعلوا ولا يجوز لهم ذلك. وقال مالك فى الروم يقولون لأسارى مسلمين عندهم: قاتلوا معنا أعداءنا من الروم ونطلقكم، فلا يجوز هذا إلى من يردونهم.»
ولم يجزه الأوزاعي لأنه اعتبر السجن من الإكراه الملجئ الذي يبيح الكفر، إذ هو نفسه كان يعتقد أن الإكراه إنما يبيح الكفر باللسان فقط دون العمل
كما جاء في «النوادر والزيادات» (ج3ص312):
«قال ابن عباس: التقية بالقول وليس بالفعل ولا باليد. وقال محمد بن الحسن: إن كان الصنم إذا سجد إليه قبالة القبلة فله أن يسجد وينوى القبلة، وهو قول حسن. ومن كتاب ابن سحنون قال الأوزاعى: أبيح للمكره القول ولا يصدق ذلك بعمل. قال: فإن أكره على ذلك مثل السجود للوثن أو صليب أو أكل خنزير وشرب خمر، فلا يفعل وليختر القتل، وقاله قتادة»
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (ج6ص416):
«الأسارى من المسلمين يقاتلون مع العدو عدوا غيرهم
واختلفوا في قتال الأسارى المسلمين مع العدو عدوا غيرهم، فكان مالك بن أنس يقول: إذا قالوا لهم: إن فتح لنا أرسلناكم لا ينبغي لهم ذلك، وهل يقاتل رجل على مثل هذا!! لا ينبغي لمسلم أن يهريق دمه إلا في حق، ورخص الأوزاعي لهم في قتالهم مع المشركين إذا شرطوا لهم إن فتح لهم أن يخلوا سبيلهم فيرجعوا إلى بلاد الإسلام، فإن لم يشترطوا لهم ذلك، فلا يقاتلوا معهم إلا أن يخافوا على دمائهم، وكان الشافعي يقول: قد قيل: يقاتلونهم، وقيل: قد قاتل الزبير وأصحاب له ببلاد الحبشة مشركين عن مشركين، ولو قال قائل: يكره قتالهم كان مذهبا، وقال أحمد بن حنبل: إن قال لهم: أخلي عنكم، فلا بأس، وجاءه أن ميمون قيل له فإن قال أعطيكم وأحسن إليكم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله العليا ". لا أدري.
وقال أصحاب الرأي: لا ينبغي للمسلمين المستأمنين أن يقاتلوا معهم إلا أن يخافوا على أنفسهم من قبل أن حكم أهل الحرب هو الغالب»
وقال ابن المناصف في «الإنجاد» (ص160):
«مسألة:
اختلف أهل العلم في الأسارى من المسلمين يقاتلون مع العدو عدوًّا غيرهم، فَرَخَّصَ الأوزاعي في ذلك إذا شَرطوا لهم أنْ يُخلُّوا سَبيلهم إذا فتح لهم، فإن لم يشترطوا لهم ذلك، لم يكن لهم أن يقاتلوا إلا أن يخافوا على دمائهم، وقال أحمد بن حنبل بنحوه، وكره مالكٌ أن يقاتلوا على مثل هذا، ولا ينبغي لمسلمٍ أن يُهْريق دمه إلا في حق، ونحوهُ قال أصحاب الرأي: لا ينبغي للمسلمين المستأمنين أن يقاتلوا معهم إلا أن يخافوا على أنفسهم من قَبْل أنَّ حكم أهل الحرب هو الغالب، وكان الشافعي يقول في الأسارى: يُشترط لهم أن يخلَّوا إذا قاتلوا معهم، قد قيل: يقاتلونهم. ولو قال قائل: يكره قتالهم، كان مذهباً.
فأقول: إنَّ الوَجْهَ كراهةُ قتالهم معهم؛ لأن قتال الكفار إنما شُرِعَ لإعلاء كلمة الإسلام والدعاءِ إليه، لا لإعلاءِ كُفرٍ على كُفرٍ، بل لا يجوزُ لمجردِ الغَلبةِ والنَّيل منهم على الإطلاق، ألَا ترى أنَّ الدعوة تَجِبُ قبلَ ذلك فيمن لم تبلغه باتفاق، فقتالهم معهم لم يكن لذلك، بل هو عونٌ للكفار على الكُفَّار، وذلك غير مشروع، إلا أن يكون عن أهلِ ذمَّةٍ من المسلمين، فيدافعُ عدوّهم عنهم، فذلك من إعلاء حُرمة الإسلام، والقيام بحدوده، وأما من أباح ذلك إذا شرطوا لهم أن يُخَلّوا عنهم، فتغليبٌ لأحد المكروهين على الآخر؛ لأن إقامتهم تحت أسر الكفار لا يحل لهم، متى أمكنهم سبيلٌ إلى التخلص، كبذل المال في الفداء ونحوه»
وقال أبو سعيد ابن البراذعي في «التهذيب في اختصار المدونة» (ج2ص66):
«وكذلك أكره للأسير [المسلم] أن يقاتل مع الروم عدواً لهم على أن يخلوه إلى بلد الإسلام، [ولا يحل له أن يسفك دمه على هذا]»
وجاء في «اختلاف العلماء للطحاوي - اختصار الجصاص» (ج3ص454):
« في المستأمن المسلم يقاتل مع المشتركين
قال أصحابنا لا ينبغي أن يقاتلوا مع أهل الشرك لأن حكم الشرك هو الظاهر وهو قول مالك
وقال الثوري يقاتلون معهم
وقال الأوزاعي لا يقاتلون إلا أن يشترطوا عليهم إن غلبوا أن يردوهم إلى دار الإسلام
وللشافعي قولان
قال أبو حعفر القتال الذي دعاه ولاؤه إلى المسلمين هو قتال تحت راية الكفر وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم أنا بريء من كل مسلم مع مشرك لا يتراءى ناراهما»
وجاء في «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (ج1ص391):
«نعيم بن ناعم أبو حاتم
نقل عن إمامنا أشياء
...قال: وسألت أحمد عن أسير فى أيدى العدو، فجاء العدوّ عدو لهم، يقاتل معهم؟ قال: إن خاف على نفسه، أو قالوا له:
إن قاتلت معنا نخلى سبيلك؟ يقاتل معهم. قلت: لم يخف، ولم يقولوا له: نخلى سبيلك؟ قال: فى نفسى منه شئ»
جاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن (ج5ص540):
«باب وصية أهل الذمة
وإذا أوصى الرجل من أهل الذمة فزاد على الثلث أو أوصى لوارث فإني لا أجيز من ذلك إلا ما أجيز بين المسلمين، ولا أجيز الوصية فيما فضل على الثلث، ولا أجيز الوصية لوارث إلا أن يجيزوه الورثة بعد أن يكونوا كباراً.
وإذا أوصى لغير ملته من أهل الكفر فهو جائز. وإذا أوصى لأهل الحرب وهم في دار الحرب فوصيته باطل، لا تجوز لأهل الحرب وصية، ولا يتوارث أهل الذمة وأهل الحرب.
وإذا أوصى الذمي بأرض له أن تبنى كنيسة أو بيعة أو بيت نار أجزت ذلك في قول أبي حنيفة، ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد شيء من وصيته للبيعة ولا للكنيسة ولا بيت نار في بقعة ولا غيره، لأنها معصية. وإن جعل ذلك في حياته فبنى بيعة أو كنيسة أو بيت نار ثم مات كان ميراثاً بين ورثته، ولا يشبه هذا الوصية في قول أبي حنيفة.»
وقال ابن المنذر في «الأوسط» (ج8ص155):
«واختلفوا في وصية النصراني بثلث ماله، أو شيء من ذلك أن يبنى به كنيسة لصلاة النصارى، أو يستأجر به خدم الكنيسة، أو لعمارة، أو مصباح الكنيسة، وما أشبه ذلك.
وكان الشافعي رحمه الله يقول: إن الوصية لا تجوز. وبه قال أبو ثور.
وقال أصحاب الرأي: إذا أوصى الذمي لبيعة أن ينفق عليها لإصلاحها أجزته، ولو أوصى بأرض له أن تبنى كنيسة، أو بيعة، أو بيت نار، جاز ذلك في قول النعمان (أبو حنيفة)، ولا يجوز ذلك في قول الشافعي رحمه الله ويعقوب، ومحمد بشيء من وصيته للبيعة، ولا للكنيسة، ولا لبيت النار في نفقه، ولا غيره، لأنها معصية.»
وقال السرخسي الحنفي في «المبسوط» (ج28ص94):
«وإن أوصى الذمي للبيعة أو للكنيسة أن ينفق عليها في إصلاحها أو أوصى أن يبنى بماله بيعة أو كنيسة أو بيت نار أو أوصى بأن يذبح لعيدهم أو للبيعة أو لبيت نارهم ذبيحة جاز في قول أبي حنيفة ولم يجز شيء منه في قول أبي يوسف ومحمد.»
وقال ابن قدامة في «المغني» (ج6ص218):
«فصل: ولا تصح الوصية بمعصية وفعل محرم، مسلما كان الموصي أو ذميا، فلو وصى ببناء كنيسة أو بيت نار، أو عمارتهما، أو الإنفاق عليهما، كان باطلا. وبهذا قال الشافعي، وأبو ثور وقال أصحاب الرأي: يصح. وأجاز أبو حنيفة الوصية بأرضه تبنى كنيسة. وخالفه صاحباه»
وقال أبو الليث السمرقندي الحنفي في «عيون المسائل» (ص474):
«تعمير الكنسية بأجرة
2357. ولو أن رجلاً أجر نفسه ليعمل في الكنيسة فيعمرها بالأجر فلا بأس به.»
وجاء في «المحيط البرهاني» (ج5ص362):
«ولو آجر نفسه ليعمل في الكنيسة ويعمرها فلا بأس به؛ إذ ليس في نفس العمل معصية»
وقال السنامي الحنفي في «نصاب الاحتساب» (ص279):
«ولو أن مسلما آجر نفسه ليعمل في الكنسية ويعمرها لا بأس به لأنه لا معصية في عين العمل»
وجاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن (ج5ص542):
«وإذا أوصى المسلم لبيعة أو كنيسة فوصيته باطل»
وقال السرخسي في «المبسوط» (ج28ص96):
«وإذا أوصى المسلم ببيعة أو كنيسة فوصيته باطلة؛ لأن المسلم لا يتقرب إلي الله تعالى بمثل هذه الوصية، وهو لم يقع لإنسان بعينه»
وقال الإمام الشافعي في «الأم» (ج4ص226):
«ولو أوصى أن تبنى كنيسة ينزلها مار الطريق أو وقفها على قوم يسكنونها أو جعل كراءها للنصارى أو للمساكين جازت الوصية وليس في بنيان الكنيسة معصية إلا أن تتخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك وأكره للمسلم أن يعمل بناء أو نجارة أو غيره في كنائسهم التي لصلواتهم»
وجاء في «مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله» (ص306):
«حدثنا قال سألت ابي عن رجل بنى بيتا فأجر مستأجرا او ناووس او بيعه او يبني للمجوس دارا يلقون فيها موتاهم يجصص لهم بيعة او يباعون خشبا
قال اكرهه هذا كله
قلت وتراه يقسم عليه
قال نعم»
وجاء في «المدونة» (ج3ص435):
«[باب في إجارة الكنيسة]
قلت: أرأيت إن آجرت داري ممن يتخذها كنيسة أو بيت نار وأنا في مصر من الأمصار أو في قرية من قرى أهل الذمة؟ قال: قال مالك: لا يعجبني أن يبيع الرجل داره ممن يتخذها كنيسة ولا يؤاجر داره ممن يتخذها كنيسة ولا يبيع شاته من المشركين إذا علم أنهم إنما يشترونها ليذبحوها لأعيادهم؟
قال مالك: ولا يكري دابته منهم إذا علم أنهم إنما استكروها ليركبوها إلى أعيادهم.
قلت: أرأيت الرجل أيجوز له أن يؤاجر نفسه في عمل كنيسة في قول مالك؟ قال: لا يحل له؛ لأن مالكا قال: لا يؤاجر الرجل نفسه في شيء مما حرم الله.
قال مالك: ولا يكري داره ولا يبيعها ممن يتخذها كنيسة.
قلت: أرأيت هل كان مالك يقول: ليس للنصارى أن يحدثوا الكنائس في بلاد الإسلام؟ قال: نعم كان مالك يكره ذلك.»
وجاء في «البيان والتحصيل» (ج4ص207):
«ومن كتاب الجامع وسئل ابن القاسم عن نصراني دفع إلى نصراني طيرا صاده بأن يبيعه ويجعل ثمنه في الكنيسة، فمر به على مسلم فسأله فأخبره قصته، وما أمر به في ثمنه فأراد المسلم شراءه، قال: أرى ذلك خفيفا، قال أصبغ: لا يعجبني ولا أراه في سعة، وأراه في إثم وحرج، وأراه عونا على شرائع الكفر وتعظيم الكنائس وعمارتها، والذي يفعل هذا وشبهه مسلم سوء مريض الإيمان.»
وقال ابن قدامة في «المغني» (ج6ص319):
«وهكذا الحكم فى كل ما قصد به الحرام، كبيع السلاح لأهل الحرب، أو لقطاع الطريق، أو فى الفتنة، وبيع الأمة للغناء، أو إجارتها كذلك، أو إجارة داره لبيع الخمر فيها، أو لتتخذ كنيسة، أو بيت نار، وأشباه ذلك. فهذا حرام، والعقد باطل؛ لما قدمنا.»
وقال أبو محمد البغوي في «التهذيب في الفقه الشافعي» (ج7ص532):
«فإن جوزنا الإجارة: فلو استأجر مسلماً؛ لبناء كنيسة-: فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأنه حرامٌ، وإذا عمل-: لا يستحق الأجرة.
والثاني: يصح، ويستحق الأجرة؛ لأن الكنيسة ما هي إلا بناء يسكنونه؛ كما لو استأجره لبناء دار.»
وقال تقي الدين السبكي في «فتاوى السبكي» (ج2ص369):
«وكذلك قال الفقهاء: لو وصى ببناء كنيسة فالوصية باطلة؛ لأن بناء الكنيسة معصية وكذا ترميمها ولا فرق بين أن يكون الموصي مسلما أو كافرا، وكذا لو وقف على كنيسة كان الوقف باطلا مسلما كان الواقف أو كافرا فبناؤها وإعادتها وترميمها معصية مسلما كان الفاعل لذلك أو كافرا»
وقال الكوسج في «مسائله» (ج8ص4031):
«[2869-] قلت: قال: سألت سفيان عن الرجل المسلم يدفع إليه المجوسي الشاة يذبحها لآلهته فيذبحها، ويسمّي أيأكل منه المسلم؟
قال: لا أرى به بأسا.
قال أحمد: صدق
قال إسحاق: لا يسع المسلم ذبحها على هذه الحال وأكره أكلها.»
وقال ابن قدامة في «المغني» (ج13ص294):
«فصل: فأما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم، فننظر فيه؛ فإن ذبحه لهم مسلم، فهو مباح. نص عليه. وقال أحمد، وسفيان الثورى، فى المجوسى يذبح لإلهه، ويدفع الشاة إلى المسلم يذبحها فيسمى: يجوز الأكل منها. وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمد عما يقرب لآلهتهم، يذبحه رجل مسلم، قال: لا بأس به.»
وقال البهوتي في «كشاف القناع» (ج14ص228):
«و (لا) يكفر (من حكى كفرا سمعه، و) هو (لا يعتقده) قال في "الفروع": ولعل هذا إجماع. وفي "الانتصار": من تزيا بزي كفر من لبس غيار، وشد زنار، وتعليق صليب بصدره، حرم، ولم يكفر.»
فائدة في العقود الفاسدة
قال الإمام الشافعي في «الأم» (ج5ص62):
«وإذا تزوجت المسلمة ذميا فالنكاح مفسوخ ويؤدبان ولا يبلغ بهما حد وإن أصابها فلها مهر مثلها وإذا تزوج المسلم كافرة غير كتابية كان النكاح مفسوخا ويؤدب المسلم إلا أن يكون ممن يعذر بجهالة وإن نكح كتابية من أهل الحرب كرهت ذلك له والنكاح جائز.»
جاء في «مصنف عبد الرزاق» (ج7ص340):
«عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم النخعي في الذي ينكح الخامسة متعمدا، قبل أن تنقضي عدة الرابعة من نسائه، قال: يجلد مائة، ولا ينفى.
عبد الرزاق، عن الثوري في الرجل ينكح الخامسة، قال: يعزر ولا حد.
قال عبد الرزاق: والناس عليه.»
قال الخلال في «أحكام أهل الملل والردة» (ص457):
«أخبرني عبد الملك الميموني، قال: خرج إلينا يوما أبو عبد الله بعد طلوع الفجر، قال عم أبي عبد الله: يا أبا عبد الله، المرتد أليس يصير ماله إلى بيت المال؟ فسمعته يقول: ما كان في نفسي شيء أكبر من هذا، لا يورث، أرجع فيه إلى الأصول وأحكامه، لا يتوارث أهل ملتين، والنبي، صلى الله عليه وسلم، يقول في الذي تزوج امرأة أبيه فأمر بقتله، وأخذ ماله.
قلت: تزوجه امرأة أبيه أقل من الارتداد.
قال: ثم ذكر أبو عبد الله قول أهل المدينة وقول علي فيه، وأن الناس يختلفون في المرتد.
ورأيته هو ثبت على رأيه أنه لا يورث؛ لأنه لا يتوارث أهل ملتين.»
جاء في «مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله» (ص351):
«سألت ابي عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا تزوج امرأة ابيه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله واخذ ماله قال ابي نرى والله اعلم ان ذلك منه على الاستحلال فأمر بقتله بمنزلة واخذ ما له»
جاء في «مسائل الإمام أحمد رواية ابنه صالح» (ج3ص131):
«قلت الذي تزوج امرأة أبيه أو أمته يستتاب
قال لا هذا على الإستحلال يقتل إذا عرس»
وأختلف العلماء هل هو يعتبر زانياً مستوجباً لحد الزنا - وليس حد الردة - أم لا، ولم يقل أحد من الفريقين بتكفيره
وذهب الجمهور إلى أن حد الزنا لا يقام عليه بمجرد عقد النكاح، وإنما يقام إذا حصل الوطء، وكذلك لا يقام عليه حد الردة ولا يؤخذ ماله إلا إذا اعتقد إباحة ذلك النكاح
قال شمس الدين ابن مفلح في «الفروع» (ج10ص56):
«وعند أبي بكر إن خبر البراء عند الإمام أحمد على المستحل وإن غير المستحل كزان، نقل صالح وعبد الله أنه على المستحل»
قال البيهقي في «الخلافيات» (ج5ص184) معلقا على خبر البراء:
«والمراد بهذا النكاح: [الوطء]؛ فقد روي: إلى رجل عرس بامرأة أبيه.
وقد حمل بعض أصحابنا على أنه نكحها معتقد الإباحة، فصار به مرتدا، وجب قتله وأخذ ماله، فبالإجماع لا يؤخذ ماله بمجرد الزنا دون اعتقاد إباحته.»
وقال الماوردي في «الحاوي الكبير» (ج11ص287) معلقا على خبر البراء:
«والعرسة اسم للوطء في نكاح فاحتمل تخميس ماله لأنه استحل ذلك فصار مرتدا وصار ماله بالردة فيئا واحتمل إن لم يستحله فقتله حدا وخمس ماله عقوبة»
قال الطحاوي الحنفي في «شرح معاني الآثار» (ج3ص149):
«حدثنا فهد، قال: ثنا أحمد بن يونس ، قال: ثنا أبو بكر بن عياش، عن مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء بن عازب قال: ضلت إبل لي فخرجت في طلبها فإذا الخيل قد أقبلت فلما رأى أهل الماء الخيل انضموا إلي وجاءوا إلى خباء من تلك الأخبية فاستخرجوا منها رجلا فضربوا عنقه قالوا: هذا رجل أعرس بامرأة أبيه ، فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله.
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى من تزوج ذات محرم منه وهو عالم بحرمتها عليه، فدخل بها أن حكمه حكم الزاني، وأنه يقام عليه حد الزنا الرجم أو الجلد واحتجوا في ذلك بهذه الآثار. وممن قال بهذا القول أبو يوسف ومحمد رحمهما الله. وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يجب في هذا حد الزنا، ولكن يجب فيه التعزير والعقوبة البليغة. وممن قال بذلك أبو حنيفة وسفيان الثوري رحمهما الله.»
وقال ابن عبد البر في «الكافي في فقه أهل المدينة» (ج2ص1074):
«ومن عقد نكاحا على امرأة من ذوي محارمه أو خامسة جلد حد الزنا ان وطئها ولا يعذر أحد اليوم بالجهالة في ذلك فإن كان النكاح خامسة عذر بالجهالة مقبول منه فلا حد عليه ولا يقبل من غيره ممن ذكرنا معه عذر»
وقال البغوي في «التهذيب في الفقه الشافعي» (ج7ص320):
«ولو نكح رجلٌ أمةً، أو امرأة من محارمه برضاع، أو نسب، أو صهرية، فوطئها-: يجب عليها حد الزنا.
وعند أبي حنيفة: لا يجب الحد، وصورة العقد: تصير شبهة في سقوط الحد.»
وقال ابن قدامة في «المغني» (ج12ص341):
«وإن تزوج ذات محرمه، فالنكاح باطل بالإجماع. فإن وطئها، فعليه الحد. في قول أكثر أهل العلم»
وقال ابن قدامة في «المغني» (ج12ص343):
«وكل نكاح أجمع على بطلانه، كنكاح خامسة، أو متزوجة، أو معتدة، أو نكاح المطلقة ثلاثا، إذا وطئ فيه عالما بالتحريم، فهو زنى، موجب للحد المشروع فيه قبل العقد. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة، وصاحباه: لا حد فيه؛ لما ذكروه في الفصل الذي قبل هذا. وقال النخعي: يجلد مائة، ولا ينفى»
وقال ابن رسلان في «شرح سنن أبي داود» (ج17ص453) معلقا على خبر البراء:
«فيه حجة على أن من زنى بامرأة أبيه وجب عليه الحد، وكذا كل من زنى بمحرم من محارمه بغير عقد ولا شبهة عقد بلا خلاف، وفي كلام الغزالي يقتضي أن خلاف أبي حنيفة يطرده. وحجتنا على إقامة الحد على من نكح محرما بنسب أو رضاع أو مصاهرة قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة} فإن الفاحشة في عرف الشرع الزنا، وإذا كان زنا دخل في قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا} وكذا فيما وردت به السنة كهذا الحديث»
وقال ابن كثير في «إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه» (ج2ص127):
«وقد استدل بعض الأصحاب فيما حكاه البيهقي بحديث البراء بن عازب، قال: لقيت خالي، ومعه الراية، فقلت: أين تريد؟، فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن أضرب عنقه، وآخذ ماله، رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، ولم يذكر الترمذي، وابن ماجة: "أخذ المال" وحملوا هذا الحديث على أنه فعل ذلك معتقدا حله، فارتد بذلك، فأخذ ماله فيئا، والله أعلم.»
وقال ابن القيم في «زاد المعاد» (ج5ص14):
«وقد نص أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، في رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم، فقال: يقتل، ويدخل ماله في بيت المال.
وهذا القول هو الصحيح، وهو مقتضى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة: حده حد الزاني، ثم قال أبو حنيفة: إن وطئها بعقد، عزر، ولا حد عليه، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضاؤه أحق وأولى.»
قال الطحاوي الحنفي في «شرح معاني الآثار» (ج3ص149):
«حدثنا فهد قال: ثنا أبو نعيم قال: سمعت سفيان يقول في رجل تزوج ذات محرم منه فدخل بها قال: لا حد عليه. وكان من الحجة على الذين احتجوا عليهما بما ذكرنا أن في تلك الآثار أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل وليس فيها ذكر الرجم ، ولا ذكر إقامة الحد. وقد أجمعوا جميعا أن فاعل ذلك لا يجب عليه قتل إنما يجب عليه - في قول من يوجب عليه الحد - عليه الرجم إن كان محصنا. فلما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الرسول بالرجم ، وإنما أمره بالقتل ثبت بذلك أن ذلك القتل ليس بحد للزنا ، ولكنه لمعنى خلاف ذلك. وهو أن ذلك المتزوج ، فعل ما فعل من ذلك على الاستحلال كما كانوا يفعلون في الجاهلية فصار بذلك مرتدا ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل به ما يفعل بالمرتد. وهكذا كان أبو حنيفة وسفيان رحمهما الله ، يقولان في هذا المتزوج إذا كان أتى في ذلك على الاستحلال أنه يقتل. فإذا كان ليس في هذا الحديث ما ينفي ما يقول أبو حنيفة وسفيان ، لم يكن فيه حجة عليهما لأن مخالفهما ليس بالتأويل أولى منهما. وفي ذلك الحديث «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد لأبي بردة الراية» ولم تكن الرايات تعقد إلا لمن أمر بالمحاربة ، والمبعوث على إقامة حد الزنا ، غير مأمور بالمحاربة. وفي الحديث أيضا أنه بعثه إلى رجل تزوج امرأة أبيه وليس فيه أنه دخل بها. فإذا كانت هذه العقوبة وهي القتل مقصودا بها إلى المتزوج لتزوجه دل ذلك أنها عقوبة وجبت بنفس العقد لا بالدخول ولا يكون ذلك إلا والعاقد مستحل لذلك. فإن قال قائل: فهو عندنا على أنه تزوج ودخل بها. قيل له: وهو عند مخالفك على أنه تزوج واستحل. فإن قال: ليس للاستحلال ذكر في الحديث. قيل له: ولا للدخول ذكر في الحديث فإن جاز أن تحمل معنى الحديث على دخول غير مذكور في الحديث جاز لخصمك أن يحمله على استحلال غير مذكور في الحديث. وقد روي في ذلك حرف زائد على ما في الآثار الأول»
وقال الخطابي في «معالم السنن» (ج3ص329):
«وزعم بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بقتله لاستحلال نكاح امرأة أبيه، وكان ذلك مذهب أهل الجاهلية كان الرجل منهم يرى أنه أولى بامرأة أبيه من الأجنبي فيرثها كما يرث ماله وفاعل هذا على الاستباحة له مرتد عن الدين فكان هذا جزاؤه القتل لردته.
قلت وهذا تأويل فاسد ولو جاز أن يتأول ذلك في قتله لجاز أن يتأول مثله في رجم من رجمه صلى الله عليه وسلم من الزناة فيقال إنما قتله بالرجم لاستحلال الزنا وقد كان أهل الجاهلية يستحلون الزنا فلا يجب على من زنى الرجم حتى يعتقد هذا الرأي وهذا ما لا خفاء بفساده وإنما أمر صلى الله عليه وسلم بقتله لزناه ولتخطيه الحرمة في أمه.»
وقال مظهر الدين الزيداني الحنفي في «المفاتيح في شرح المصابيح» (ج4ص49):
«قوله: "فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله" تأويل هذا: أن ذلك الرجل تزوج زوجة أبيه معتقدا حل هذا النكاح، فإذا اعتقد حل شيء محرم كفر، وجاز قتله وأخذ ماله، وأما لو تزوج أحد امرأة أبيه أو واحدة من محارمه جاهلا تحريم نكاحها - يعني: لم يعلم أنه حرام تزوجها - لم يصر كافرا، وكذلك لو تزوجها عالما تحريم نكاحها، ولكن يعتقد تحريمها، فسق بهذا النكاح، وفرق بينهما وعزر، ولكن لا يجوز قتله ولا أخذ ماله، وهذا إذا لم يجر بينهما دخول، فإن جرى دخول؛ فإن علم تحريمه فهو زان»
وقال ابن حجر في «فتح الباري» (ج12ص118):
«وأشهر حديث في الباب حديث البراء: لقيت خالي ومعه الراية فقال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن اضرب عنقه أخرجه أحمد وأصحاب السنن وفي سنده اختلاف كثير، وله شاهد من طريق معاوية بن مرة عن أبيه أخرجه ابن ماجه، والدارقطني، وقد قال بظاهره أحمد. وحمله الجمهور على من استحل ذلك بعد العلم بتحريمه بقرينة الأمر بأخذ ماله وقسمته»
وقال ناصر الدين البيضاوي في «تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة» (ج2ص354) معلقا على حديث البراء:
«وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى أن المتزوج كان مستحلا له على ما كان يعتقده في الجاهلية، فلذلك أمر بقتله.»
وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (ص300):
«فإن قيل: فقد خرج النسائي من حديث عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام فحارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض». وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة.
قيل: قد خرج أبو داود حديث عائشة بلفظ آخر...
وبكل حال فحديث عائشة ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعا، وروي عنها موقوفا، وحديث ابن مسعود لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته، ولكن يقال على هذا: إنه قد ورد قتل المسلم بغير إحدى هذه الخصال الثلاث:
فمنها: في اللواط...
ومنها من أتى ذات محرم، وقد روي الأمر بقتله، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل من تزوج بامرأة أبيه، وأخذ بذلك طائفة من العلماء، وأوجبوا قتله مطلقا محصنا كان أو غير محصن.
ومنها الساحر.... ولكن هؤلاء يقولون: إنه يكفر بسحره، فيكون حكمه حكم المرتدين.
ومنها: قتل من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع، وقال به طائفة من العلماء.
ومنها: من ترك الصلاة، فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم: إنه ليس بكافر، وقد سبق ذكر ذلك مستوفى.
ومنها قتل شارب الخمر في المرة الرابعة...»
جاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن (ج7ص172):
«قلت: أرأيت الرجل إذا تزوج المرأة فدخل بها وهي ممن لا يحل له نكاحها هل تحده؟ قال: لا. قلت: فإن كان أتى ذلك على علم؟ قال: وإن كان، فلا حد عليه، ولكن يوجع عقوبة، ولا يبلغ به الحد. قلت: وكذلك لو كانت المرأة ذا رحم محرم منه؟ قال: نعم، لا حد عليه. قلت: فإن أقر أنه فعل ذلك متعمداً وهو يعلم أنها عليه حرام؟ قال: يعزره الإمام، ولا يبلغ به أربعين سوطا.»
جاء في «الأصل» لمحمد بن الحسن (ج10ص218):
«وإذا تزوج الذمي المسلمة حرة كانت أو أمة بإذن الولي أو المولى أو بغير إذنهما كان ذلك كله سواء، ويفرَّق بينه وبينها، ويوجع عقوبة إن كان دخل بها، ولا يَبْلُغ به أربعين سوطاً، ويعزّر الذي زوجه، وتعزر المرأة.»
وجاء في «مختصر القدوري» (ص197):
«ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها لم يجب عليه الحد»
وقال أبو بكر الحداد الحنفي في «الجوهرة النيرة على مختصر القدوري» (ج2ص155):
«قوله: (ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها لم يجب عليه الحد) ويعزر إن كان يعلم ذلك وهذا عند أبي حنيفة وعندهما يحد إذا كان عالما بذلك لأنه عقد لم يصادف محله فيلغو ولأبي حنيفة أنه ليس بزنا لأن الله تعالى لم يبح الزنا في شريعة أحد من الأنبياء وقد أباح نكاح ذوات المحارم في شريعة بعض الأنبياء وإنما عزر لأنه أتى منكرا»
وقال ابن قطلوبغا في «التصحيح والترجيح على مختصر القدوري» (ص399):
«قوله: (ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها لم يجب عليه الحد)، قال الإسبيجابي: "وهذا قول أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تزوج نكاحًا مجمعًا على تحريمه، محرَمُه كانت المرأة أو غير محرمِه، والواطئ يعلم أنها حرام فليس ذلك بشبهة، وعليه الحد إذا وطئ وإن كان لا يعلم فلا حد عليه، والصحيح قول أبي حنيفة وزفر"، وعليه مشى النسفي المحبوبي وغيرهما.
وقال في "الواقعات": "تزوج محارمه ودخل بها حد عند أبي يوسف ومحمد، قال أبو الليث: وبه نأخذ، فنحن أيضًا نأخذ به"، وقال في "الفتاوى السراجية": "وعليه الفتوى"، وفي "الخلاصة": "والفتوى على قولهما".
قلت: المرجح في جميع شروح هذا الكتاب وجميع شروح "المنظومة" و"الهداية" وأصولها وجميع شروحها و"الإيضاح" و"البدائع" و"الاختيار" وطرائق الخلاف دليلُ أبي حنيفة، فكان تصحيح قوله واختيار الفتوى عليه أولى، والله أعلم.»